فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 51

الإسلامية، وذلك لأن الفقه الإسلامي يولي حقوق الأفراد عناية كبيرة ولا يبيح إهدارها إلا في أضيق الحدود وتحقيقا لمصالح أشمل وأهم منها.

ثالثًا: موقف الفقه الإسلامي من أداء المبعوث الدبلوماسي للشهادة:

ذهب عامة الفقهاء إلى أنه لا تجوز شهادة غير المسلم على المسلم في غير الوصية بالسفر، لأن الشهادة فيها معنى الولاية، وهي تنفيذ القول على الغير، ولا ولاية لغير المسلم على المسلم وبالتالي لا شهادة له عليه. [180]

وذلك لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [181] قال ابن العربي: الصحيح عندي أن المراد به البالغون من ذكوركم المسلمون [182] ، وقال القرطبي: قوله {من رجالكم} نص في رفض الكفار [183] ، أي عدم قبول شهادتهم على المسلمين.

وبناء على هذا فلا يصح استدعاء المبعوث الدبلوماسي غير المسلم لأداء الشهادة على مسلم، وسبب المنع هو أن ذلك غير جائز شرعًا، لا لأن ذلك من قبيل الحصانة القضائية التي تهدف إلى استقلاليته في عمله الدبلوماسي.

أما إن كان المبعوث الدبلوماسي مسلمًا فلا مانع من استدعائه لأداء الشهادة لأن أداء الشهادة فرض كفاية إن كان هناك أكثر من شاهد، أما إن تعين عليه أداء الشهادة بأن لم يوجد غيره فيجب عليه في هذه الحالة القيام بذلك، ودليل هذا التفصيل قوله تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} [184] قال الحسن: جمعت هذه الآية أمرين وهما ألا تأبى إذا دعيت إلى تحصيل الشهادة، ولا إذا دعيت إلى أدائها، وقال مجاهد: معنى الآية إذا دعيت إلى الشهادة وقد حصلت عندك، وقال ابن عباس وقتادة والربيع: المراد به التحمل للشهادة وإثباتها عند الحاكم، فّإذا قام به البعض سقط عن الباقين وإن لم يوجد إلا من يكفي تعين عليه، وقال ابن عطية: إذا كانت الضرورة وخيف تعطل الحق أدنى خوف قوي الندب وقرب من الوجوب، وإذا علم أن الحق يذهب ويتلف بتأخر الشاهد عن الشهادة فواجب عليه القيام بها، لا سيما إن كانت محصّلة وكان الدعاء إلى أدائها، فإن هذا الظرف آكد لأنها قلادة في العنق وأمانة تقتضي الأداء. [185]

وقال تعالى: {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} [186] فهذا نهي يفيد تحريم كتمان الشهادة لاقترانه بالوعيد وهو يقتضي وجوب الأداء حيث يخاف الشاهد ضياع الحق، قال ابن عباس: على الشاهد أن يشهد حيثما استشهد، ويخبر حيثما استخبر [187] .

وقال القرطبي: لما قال تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا} دلّ على أن الشاهد هو الذي يمشي إلى الحاكم، وهذا أمر بني عليه الشرع وعمل به في كل زمان وفهمته كل أمة، ومن أمثالهم:"في بيته يؤتى الحكم" [188] ، ومعنى هذا أن المبعوث الدبلوماسي المسلم ليس له أن يمتنع من أداء الشهادة إذا تعينت عليه، وعليه أن يحضر مجلس القاضي وقاعة المحكمة لأداء شهادته كما دلت عليه النصوص المتقدمة، وهذا مما يفارق فيه الفقه الإسلامي القانون الدولي الذي أجاز للمبعوث الدبلوماسي الامتناع عن أداء الشهادة أو أن يؤديها في مقر البعثة الدبلوماسية أو يؤديها كتابة.

المطلب الثالث

حصانة مقر البعثة الدبلوماسية

أولًا: تحديد المراد بمقر البعثة الدبلوماسية:

يقصد بمقر البعثة أو دار البعثة كافة الأماكن التي تشغلها البعثة أو تستخدمها لحاجاتها، سواء أكانت مملوكة للدولة المرسلة أم مستأجرة من الدولة المعتمد لديها، ويشمل ذلك مقر السفارة والقنصلية والملحقية ومنزل

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت