فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 51

ومن المعلوم أن الشرع المطهر قد كلف ولي أمر المسلمين بإقامة القصاص والحدود ونحوها من العقوبات الشرعية على رعايا الدولة الإسلامية من المسلمين والذميين لما في ذلك من المصالح العظيمة والحكم الجليلة، والمستأمنون دخلوا بلاد الإسلام بعقد أمان يقتضي أن يأمنوا على أنفسهم ويأمن المسلمون وغير المسلمين منهم، ولا يخولهم ذلك الأمان نشر الفساد في الأرض أو عدم المؤاخذة على جرائمهم، ومن هنا فليس لولي أمر المسلمين أن يوافق على شرط وعهد يتضمن مثل هذا المعنى الذي يفضي إلى تعطيل الأحكام الشرعية لقوله - صلى الله عليه وسلم:"كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط" [175] والمقصود كل شرط يخالف كتاب الله تعالى، وقال أيضا:"الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما" [176] .

وأما العقوبات التعزيرية التي لم يرد نص شرعي في تحديدها، وإنما فوض الشرع تقديرها للقاضي بما يراه مناسبا للجرم وما يحقق من مصلحة شرعية، فمثل هذه العقوبات يمكن أن تخضع لهذا العهد والشرط بين الدولة الإسلامية وغيرها من الدول، مع التوثق بأن المبعوث الدبلوماسي الذي ارتكب جرما ما لا يفلت من العقوبة المناسبة في بلاده. [177]

وبهذا يظهر لنا أن الفقه الإسلامي يختلف تماما عن القانون الدولي وعما قررته اتفاقية فيينا على وجه التحديد في مبدأ الحصانة القضائية للمبعوثين الدبلوماسيين فيما يتعلق بالجرائم والجنايات التي قد تقع منهم.

ففي الوقت الذي تقرر فيه اتفاقية فيينا الحصانة القضائية ضد القوانين الجنائية لدى الدولة المعتمد لديها، نرى أن الفقه الإسلامي ـ فيما ترجح آنفا ـ يذهب إلى محاسبة المبعوث الدبلوماسي على الجرائم والجنايات التي تصدر منه، وعلى هذا فإذا ارتكب المبعوث الدبلوماسي جريمة ما وتوافرت أركان الجريمة وشروطها فإنه يقام عليه الحد لأنه دخل بلاد الإسلام بعقد أمان ليؤدي مهمة معينة، ومقتضى عقد الأمان أن يأمن المبعوث على نفسه وماله ومن معه، وفي المقابل يأمن المسلمون منه على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، وحيث لم يراعِ المبعوث هذا المبدأ فإن مقتضى العدل أن يقام عليه الحد رعاية لمصلحة المجتمع المسلم وحفظا لحقوق العباد وسد لذريعة الفساد الذي قد ينتشر تحت غطاء الحصانة الدبلوماسية.

ثانيًا: موقف الفقه الإسلامي من المخالفات المالية للمبعوث الدبلوماسي:

إذا كان موضوع الدعوى المرفوعة ضد المبعوث الدبلوماسي يتعلق بالمعاملات المالية كالقروض والأثمان المؤجلة والإجارات والغصوب ونحو ذلك، فإنه يخضع فيها للقضاء الإسلامي، قال الإمام محمد بن الحسن: وإن أدان بعضهم على بعض في دار الإسلام، أو أدان لهم رجل من المسلمين، أو من أهل الذمة أو أدانوه فإنهم يؤخذون بذلك كله فيحكم لهم وعليهم، لأنهم كانوا تحت يد الإمام وولايته حين جرت هذه المعاملات بينهم، وما أمنّاهم ليظلم بعضهم بعضا، بل التزمنا لهم أن نمنع الظلم عنهم، فلهذا تسمع الخصومة التي جرت بينهم في دار الإسلام كما لو جرت بين المسلمين. [178]

قال الكاساني معللا ذلك: لأنه بالدخول مستأمنا التزم أحكام الإسلام أو ألزمه من غير التزامه لإمكان إجراء الأحكام عليه ما دام في دار الإسلام. [179]

وبهذا يتضح لنا الفرق الواضح بين موقف الفقه الإسلامي وموقف القانون الدولي من المسؤولية المدنية للمبعوث الدبلوماسي، فالقانون الدولي يقرر الحصانة الدبلوماسية الكاملة للمبعوث الدبلوماسي إلا في استثناءات قليلة نصت عليها المادة (31) من اتفاقية فيينا، في حين أن الفقه الإسلامي يؤكد المسؤولية الكاملة للمبعوث الدبلوماسي لكل تصرفاته المدنية ومعاملاته المالية وذلك لكونه تحت ولاية القضاء في الدولة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت