قبل سلطات الدولة المستقبلة التي يمكن بسهولة أن تفتعل الحريق أو تدعي وجود مؤامرة، هذا من الناحية النظرية، أما من الناحية العملية فالأمر يتوقف على الظروف الموضوعية المحيطة بكل حالة من الحالات، فإن نوفر حسن النية استحقت الدولة المعتمد لديها شكر وتقدير الدولة المعتمدة على ما بذلته من جهد لإنقاذ بعثتها من الدمار في حالة تعذر الوصول إلى رئيس البعثة لأخذ موافقته لإجراء اللازم، وإلا فهي مقصرة لخرقها واحدة من أقدم القواعد الدبلوماسية وهي حرمة البعثة. [192]
لم يبحث الفقهاء المتقدمون حصانة مقر البعثة الدبلوماسية، ويرجع بعض الباحثين ذلك إلى سببين:
السبب الأول: أن هذا الأمر حادث ومستجد حيث لم تكن هناك بعثات دبلوماسية دائمة لها أماكن دائمة تقيم فيها، فالدبلوماسية الإسلامية كانت في بدايتها دبلوماسية مؤقتة، وكذلك البعثات التي كانت تفد إلى الدولة الإسلامية كان لها أماكن تقيم فيها مثل منزل رملة بنت الحارث بن سعد في المدينة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمنزل الذي كان يعرف باسم (دار الضيفان) و (دار صاعد) ببغداد حيث كانا بمثابة (دار للضيافة) ، وفي أواخر أيام العباسيين كانوا يعطون السفراء دارا يسكنون فيها أو ينزلون في مدرسة من المدارس، وفي دمشق والقاهرة فكانوا ينزلون في دار الضيافة، وفي زمن الأيوبيين كانت الرسل تنزل دار الوزارة. [193]
السبب الثاني: ما تقرر لدى الفقهاء من مبدأ عام في الشريعة الإسلامية ألا وهو حرمة المنازل والمساكن والأماكن الخاصة، سواء أكانت مملوكة لرعايا الدولة الإسلامية أم لغيرهم، وسواء أكان يقيم فيها المبعوثون أم غيرهم، كما جاء ذلك في قوله تعالى: ,يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون - [194] ،فحصانة مقر البعثة الدبلوماسية مبدأ شرعي عام فلا يحتاج للتنصيص عليه كمبحث مستقل. [195]
وقد ذهب بعض الباحثين المعاصرين إلى أن الإسلام ـ على خلاف القانون الدولي ـ لا يعرف حرمًا آمنًا إلا ما وردت به النصوص الشرعية وهما الحرم المكي والحرم المدني، فليس لدور البعثات الدبلوماسية هذه الحرمة التي تمس استقلال البلاد وسيادتها. [196]
وذهب البعض الآخر إلى أن الفقه الإسلامي قد سبق القانون الدولي في تقرير حصانة مقر البعثة الدبلوماسية بشرط ألا يترتب على هذه الحصانة ضرر يعود على الدولة الإسلامية كأن تتحول دار البعثة إلى مركز للمجرمين والمحاربين للدولة الإسلامية، أو تصبح مكانا للتجسس ونقل أسرار الدولة الإسلامية إلى أعدائها، ففي هذه الأحوال يكون من حق الدولة الإسلامية رفع الحصانة الدبلوماسية عن مؤسسات البعثة وتطبق عليها القانون والنظام، وهذا يتفق مع ما ذهب إليه القانون الدولي من إلزام المبعوث الدبلوماسي باحترام قوانين وأنظمة الدولة المعتمد لديها.
وقد استند هذا الاتجاه الفقهي فيما قرره من ثبوت الحصانة لمقر البعثة الدبلوماسية إلى عدة أدلة منها:
1 -الآية المتقدمة من سورة النور وهي قوله تعالى: ,يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون - [197] ، حيث قررت بعمومها حرمة البيوت والأماكن الخاصة دون تخصيص، وذلك يشمل مقر البعثات الدبلوماسية.
2 -أن حصانة مقر البعثات الدبلوماسية أمر حادث لم يرد فيه نص شرعي يبين حكمه من حيث الجواز أو المنع، فهو مجال مباح للاجتهاد والنظر الفقهي، لأنه ليس من قبيل العبادات فيكون الأصل فيها الحظر، وإنما هو من باب العادات التي الأصل فيها الإباحة ما لم يترتب على ذلك ضرر بالمسلمين عام أو خاص.