المذهب الثاني: لا ينتقض عهد المستأمن بذلك وإنما يعاقب عقوبة منكلة ويحبس.
وهو قول الحنفية [127] والشافعية [128] ، ودليلهم:
أن المسلم إذا تجسس لم يكن تجسسه ناقضا لإيمانه فكذلك تجسس المستأمن لا يكون ناقضا لأمانه. [129]
ويمكن أن يناقش هذا الاستدلال بأن هذا قياس مع الفارق، إذ إن العاصم لدم المسلم هو الإسلام والإيمان لا العقد أو الشرط فلا ينقض إسلامه إلا بنواقض الإسلام المعروفة وليس منها التجسس، في حين أن المستأمن إنما يعصم نفسه وماله بعقد الأمان فحيث أخل بهذا الشرط يرجع الحكم إلى الأصل وهو إباحة دمه وماله.
وبناء على ما تقدم يظهر رجحان المذهب الأول في أن الخيانة والتجسس تنقض عقد أمان المستأمن، وحيث إن المبعوث الدبلوماسي يثبت له الأمان بمقتضى عقد الأمان فإذا ثبت عليه استغلال حرية الاتصال وحرمته للتجسس على الدولة الإسلامية فإنه يعتبر بذلك مخالفا لشروط الأمان ويستحق العقوبة، وأدنى ما يمكن اتخاذه معه اعتباره شخصا غير مرغوب فيه ويطلب منه مغادرة البلاد على الفور مع مطالبة بلاده باتخاذ العقوبة اللازمة في حقه، ويمكن اتخاذ عقوبة أشد من ذلك بحسب ما يراه الحاكم المسلم. [130]
وقد أشارت إلى هذا الحق المادة (9) من اتفاقية فيينا ونصها: يجوز للدولة المعتمد لديها، في جميع الأوقات ودون بيان أسباب قرارها، أن تعلن الدولة المعتمدة أن رئيس البعثة أو أي موظف آخر فيها غير مقبول، وفي هذه الحالة تقوم الدولة المعتمدة حسب الاقتضاء إما باستدعاء الشخص المعني أو بإنهاء خدمته في البعثة.
تقتضي طبيعة عمل المبعوث الدبلوماسي المشاركة في الحياة الاجتماعية للدولة المعتمد لديها، وذلك للتعرف على طبيعة المجتمع الذي يعيشون فيه وعلى المسؤولين وكبار الموظفين مما يساعده في أداء مهمته التي جاء من أجلها، إذ لا تنحصر مهمته في تحقيق الهداف السياسية بل تشمل العمل على تعريف الشعوب والدول بدولته التي أوفدته، ويمكن تحقيق ذلك من خلال المشاركات الاجتماعية والإعلامية. [131]
والفقه الإسلامي لا يعارض مثل هذه المشاركة ما دامت خالية من المخالفات الشرعية كاختلاط الرجال بالنساء أو المشاركة في احتفالات غير المسلمين الدينية ونحو ذلك.
سادسًا: حرية التجارة:
قيدت اتفاقية فيينا حرية المبعوث الدبلوماسي في ممارسة التجارة فنصت المادة (42) على أنه لا يجوز للمبعوث الدبلوماسي أن يمارس في الدولة المعتمد لديها أي نشاط مهني أو تجاري لمصلحته الشخصية، ولهذا فقد تعارفت الدول الحديثة على منع السفراء من العمل في التجارة أثناء توليهم أعمال السفارة، لأن ذلك مما يخل بأعمالهم وقد يعرضهم للمشكلات التي قد تؤدي إلى سوء العلاقات بين الدول، وحتى لا يكونوا مدعاة للشبهة في استغلال السفير لحقوقه في الإعفاء من الرسوم والضرائب لتحقيق المصالح الشخصية. [132]
أما في الفقه الإسلامي فلا يمانع من ممارسة المبعوث للتجارة بشرط أن تكون التجارة في الحدود المشروعة ولا يترتب على ذلك إلحاق مفسدة بالمسلمين كبيع السلاح للأفراد أو المواد المحظورة كالمخدرات وما يفسد الدين والخلق.
قال أبو يوسف: ولا يؤخذ من الرسول الذي بعث به ملك الروم ولا من الذي قد أعطي أمانا عشر إلا ما كان معهما من متاع التجارة فأما غير ذلك من متاعهم فلا عشر عليهم فيه [133] . فيفهم من هذا جواز ممارسة المبعوث للتجارة ويؤخذ منه العشر كضريبة تجارية.
وقال أيضا: ولا ينبغي أن يبايع الرسول ولا الداخل معه بأمان بشئ من الخمر والخنزير ولا الربا وما أشبه ذلك لأن حكمه حكم الإسلام وأهله، ولا يحل أن يبايع في دار الإسلام ما حرم الله تعالى. [134]
فحرية التجارة مكفولة للمبعوث الدبلوماسي في الفقه الإسلامي بضوابطها المتقدمة، إلا أن طبيعة العلاقات الدبلوماسية المعاصرة وتشابكها تقتضي منع المبعوث الدبلوماسي من العمل التجاري سدا لذريعة الإهمال في تحقيق أهداف البعثة الدبلوماسية ولعدم