تأمين الرسل والمبعوثين من غير المسلمين في الفقه الإسلامي إلى أساس شرعي له أدلته الثابتة الواضحة من الكتاب والسنة والآثار المنقولة عن سلف الأمة من الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - ألا وهو (عقد الأمان) . [34]
ويتناول هذا المطلب بشئ من الإيجاز توضيح بعض جوانب عقد الأمان في الفقه الإسلامي من حيث تعريفه وبيان مشروعيته على وجه العموم ومشروعية أمان الرسل والمبعوثين على وجه الخصوص.
الأمان في اللغة مصدر الفعل أمن يأمن أمنًا وأمانًا وأمانة وأمنة إذا اطمأن ولم يخف، فهو آمن وأمن، قال الخليل: الأمنة من الأمن، والأمان إعطاء الأمنة.
فالأمان عدم توقع المكروه في الزمن الآتي وأصله من طمأنينة النفس وزوال الخوف. [35]
وأما تعريف الأمان في الاصطلاح فقد عرفه الفقهاء بتعريفات عديدة من أشملها وأدقها تعريف ابن عرفة حيث قال:"رفع استباحة دم الحربي ورّقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما" [36] .
فعقد الأمان يقتضي ترك القتل والقتال مع الحربيين وعدم استباحة دمائهم وأموالهم أو استرقاقهم والتزام الدولة الإسلامية توفير الأمن والحماية لمن لجأ إليها من الحربيين واستقر تحت حكمها مدة محدودة. [37]
فالمستأمن كافر حربي أبيح له المقام بدار الإسلام من غير التزام جزية وذلك لغرض مشروع [38] ، كسماع القرآن ومعرفة دعوة الإسلام أو لأداء رسالة أو طلب صلح أو مهادنة أو لتجارة أو لعلاج أو لنحو ذلك من الأغراض المشروعة التي لا تتعارض مع الأحكام الشرعية ولا مع مصلحة المسلمين العامة [39] .
ثانيا: مشروعية الأمان:
ثبتت مشروعية الأمان بأدلة من الكتاب الكريم والسنة المطهرة والإجماع.
فمن الكتاب الكريم قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} [40] .
قال القرطبي:" (وإن أحد من المشركين) أي من الذين أمرتك بقتالهم (استجارك) أي سأل جوارك أي أمانك وذمامك فأعطه إياه ليسمع القرآن، أي يفهم أحكامه وأوامره ونواهيه، فإن قبل أمرا فحسن، وإن أبى فردّه إلى مأمنه، وهذا ما لا خلاف فيه" [41] .
وقال ابن كثير:"إنما شرعنا أمان مثل هؤلاء ليعلموا دين الله وتنتشر دعوة الله في عباده" [42] .
وحكم هذه الآية باق إلى يوم القيامة لم ينسخ بقوله تعالى: {فاقتلوا المشركين} كما ذهب إليه بعض العلماء كالضحاك والسديّ، وليس حكمها قاصرا على فترة الأجل الذي ضربه الله تعالى لمشركي العرب كما قاله بعض العلماء، وإنما هذه الآية محكمة كما قال الحسن البصري:"هي محكمة سنة إلى يوم القيامة"، وقال الأوزاعي:"هي إلى يوم القيامة" [43] ، وقال سعيد بن جبير: جاء رجل من المشركين إلى عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنهم - فقال: إن أراد الرجل منا أن يأتي محمدا بعد انقضاء الأربعة أشهر فيسمع كلام الله أو يأتيه بحاجة قتل؟ فقال علي بن أبي طالب: لا لأن الله تبارك وتعالى يقول: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله} [44] .
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن حكم هذه الآية قاصر على من طلب الأمان لسماع القرآن ولا تتناول من طلب الأمان لغير ذلك من الأغراض المشروعة، كما نص على ذلك عماد الدين الطبري المعروف بإلكيا الهرّاس بقوله:"اعلم أن هذا لا دلالة فيه على أمان مشرك ووجوب بذل الأمان فيمن يطلب الأمان، وذلك أن الله تعالى إنما ذكر ذلك وشرع الأمان لفائدة وهي سماع الأدلة من كتاب الله تعالى ... فقوله تعالى {فأجره} أمر دال على الوجوب ولا وجوب إلا عند هذا الغرض وليس هذا الغرض من الأمان المعروف في الشرع ... والأمان الذي تعارفه الفقهاء أن يؤمن كافرا لا يبغي به سماع كلام الله تعالى حتى إذا استمع أبلغه مأمنه بل يبغي به أمانه حتى يتجر ويتسوق ويقيم عندنا مدة لغرض لهذا المسلم وذلك ليس ما نحن فيه بسبيل" [45] .
ولا شك أن التنصيص في الآية الكريمة على الأمان لسماع القرآن الكريم ومعرفة التوحيد لا ينافي الأمان لأغراض أخرى لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب [46] ، والأثر المنقول عن عليّ - رضي الله عنهم - يؤكد هذا المعنى كما تقدم، ولهذا نص كثير من المفسرين على أن الآية تتناول بعمومها منح الأمان لأغراض أخرى مشروعة [47] .
وأما من السنة المطهرة فقد وردت أحاديث كثيرة دلت على مشروعية الأمان منها ما رواه الشيخان عن علي بن أبي طالب أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم" [48] ، قال النووي:"المراد بالذمة هنا الأمان ومعناه أن أمان المسلمين للكافر صحيح، إذا أمنه به أحد من المسلمين حرم على غيره التعرض له ما دام في أمان المسلم" [49] ، وقال الترمذي:"ومعنى هذا عند أهل العلم أن من أعطى الأمان من المسلمين فهو جائز عن كلهم" [50] .
ومنها ما رواه الشيخان عن أم هانئ بنت أبي طالب ـ رضي الله عنها ـ قالت: ذهبت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح فوجدته يغتسل ... إلى أن قالت: فلما انصرف قلت يا رسول الله زعم ابن أمي عليّ بن أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته، فلان ابن هبيرة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ" [51] ، وجاء في رواية:"وآمنا من آمنت" [52] أي أعطينا الأمان لمن أعطيته، قال الخطابي: أجمع عامة أهل العلم أن أمان المرأة جائز [53] ، وهذا الحديث ظاهر الدلالة على مشروعية الأمان.
وأما الإجماع فقد قال ابن قدامة:"ومن طلب الأمان ليسمع كلام الله ويعرف شرائع الإسلام وجب أن يعطاه ثم يرد إلى مأمنه لا نعلم في هذا خلافا" [54] .
هذا فيما يتعلق بعقد الأمان في الجملة، وأما أمان الرسل والمبعوثين على وجه الخصوص فقد وردت نصوص شرعية خاصة تدل على مشروعية تأمين الرسل والموفدين من دولهم إلى أن يؤدوا مهامهم التي بعثوا من أجلها، فمن تلك النصوص:
1 -موقف سليمان عليه السلام من هدية بلقيس حيث اعتبر أن هذه الهدايا نوعا من الرشوة ولذلك رفضها وأعاد المبعوثين مكرمين دون أن يمسهم بأدنى أذى قائلا لرئيس الوفد , ارجع إليهم - [55] وهنا مبدأ إسلامي وهو أن الدولة المسلمة يجب أن لا تنتهك مبدأ الحصانة والأمن الممنوحين لأي مبعوث وأن العقوبة التي يمكن أن تتخذ هي ترحيلهم عن البلاد. [56]
2 -ما رواه الإمام أحمد عن ابن مسعود قال:"جاء ابن النّوّاحة وابن أثال رسولا مسيلمة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال لهما:"أتشهدان أني رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قالا: نشهد أن مسيلمة رسول الله فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"آمنت بالله ورسوله، لو كنت قاتلا رسولا لقتلتكما"قال عبد الله: فمضت السنة أن الرسل لا تقتل [57] .
3 -ما أخرجه أبو داود عن نعيم بن مسعود قال:"سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لهما ـ أي لرسولي مسيلمة ـ حين قرأ عليه كتاب مسيلمة:"ما تقولان أنتما؟"قالا: نقول كما قال، قال:"أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضربت أعناقكما" [58] ."
قال في عون المعبود: فيه دليل على تحريم قتل الرسل الواصلين من الكفار وإن تكلموا بكلمة الكفر في حضرة الإمام [59] .