فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 51

والمستأمن أمانه مؤقت، ولهذا يعاقب المستأمن مهما قصرت مدة إقامته على الجرائم التي يرتكبها في دار الإسلام، سواء تعلقت هذه الجرائم بحقوق الجماعة أو بحقوق الأفراد. [170]

الاتجاه الثاني: التفريق بين ما كان حقا لله فلا يقام عليه، وبين ما كان حقا للعبد فيؤاخذ عليه، وهو مذهب الحنفية والشافعية، واستثنى الإمام أبو حنيفة حد القذف فيقام عليه، واستثنى الشافعية في الأظهر عندهم حد السرقة فيقام عليه.

وحجة هذا الاتجاه: أن المستأمن لما دخل بلاد الإسلام تاجرا أو مقيما فيها إلى أمد محدود التزم في دخوله قوانين العدالة والإنصاف والمعاملة الحسنة وعدم الاعتداء على حقوق العباد، فكانت كل العقوبات التي تتقرر لحقوق العباد كالقصاص أو يكون حق العبد فيها واضحا كالقذف توقع عليه، أما ما يكون حقا خالصا لله تعالى فإنه لم يلتزمه لأن أساسه الولاية ولا ولاية على المستأمن، لأن إقامته لمدة معلومة، وكأن أبا حنيفة نظر إلى أن الحدود التي تكون من حقوق الله على أنها من التدين، وهو لم يلتزم بالأمان الذي أخذ عليه أن ينفذ أحكام الإسلام في العبادات. [171]

الاتجاه الثالث: أن حصانة الرسل قاصرة على ما يحدث منهم في الأمور الدينية أي الرسل الذين جاءوا ليسمعوا كلام الله تعالى، وهو مذهب الطحاوي.

والذي يظهر من خلال العرض السابق ـ وهو ما ذهب إليه بعض الفقهاء المعاصرين ـ أن المبدأ الشرعي العام هو سريان الشريعة على الجرائم التي ترتكب في دار الإسلام أيّا كان مرتكبها، وأساس هذا المبدأ هو طبيعة الشريعة الإسلامية في عموم أحكامها وشمولها لجميع من يقيمون في دار الإسلام بغض النظر عن اختلاف أديانهم و لغاتهم وأجناسهم، ولذا فهي بهذا الوصف واجبة التطبيق على كل جريمة تقع على أرضها وتحت سيادتها، وتطبيقها ممكن في دار الإسلام لعموم ولايتها على المواطنين فيجب تطبيقها دون غيرها، وإذا كان بعض القضايا التي تخص غير المسلمين فيها عنصر ديني فتلزم مراعاته، كقضايا النكاح مثلا، وليس هذا خروجا عن أحكام الشريعة بل إن ذلك مما أقرته الشريعة وهو مراعاة القضايا الدينية لدى الذميين والمستأمنين عند فصل النزاعات بينهم. [172]

وأما ما استدل به الاتجاه الأول فيمكن أن يقال بأنه لا يتفق مع ما ينبغي أن تكون عليه الأمور في الدولة الإسلامية من استقرار الأحكام ومنع الفساد، وذلك لأن هذه الحدود التي تثبت حقا لله تعالى هي لدفع الفساد في الأرض، وكل من يدخل ديار الإسلام عليه أن يلتزم بعد الإفساد في الأرض، ومن أغرب الأمور أن يأذن بالدخول للمستأمن فيسرق ويزني و لا يعاقب وذلك فساد بالبداهة، وهذا لا يتفق مع أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها ولا يتسق مع مبدأ السيادة المطلقة للدولة على إقليمها بتنفيذ قوانينها ومنع العبث والفساد فيها. [173]

فإن قيل: بأن العرف الدولي قد جرى على أن الممثلين السياسيين لا يخضعون في العقوبات إلا لقوانين بلادهم وبقضاتهم، فكيف يسوغ للدولة الإسلامية مخالفة ذلك؟

فيمكن الجواب بما قاله الشافعي: ينبغي للإمام إذا أمنهم أن لا يؤمنهم حتى يعلمهم أنهم إن أصابوا حدا أقامه عليهم وما كان من حد للآدميين أقيم عليهم. [174]

ومعنى هذا أنه ينبغي أن يوضح الأمر للمبعوثين الدبلوماسيين عند منحهم الأمان أو الموافقة على دخولهم البلاد الإسلامية بأنه يجب عليهم احترام الأحكام الشرعية وأنه في حالة مخالفتهم لذلك فإنهم سيعرضون أنفسهم للعقوبات التي تنص عليها النصوص الشرعية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت