فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 51

والذي يظهر هو رجحان المذهب الثاني، لأنه المتفق مع عموم النصوص الدالة على وجوب إقامة الحد على السارق، ولأنه أيضا يتفق مع عموم ولاية الدولة الإسلامية على جميع المقيمين على أرضها، ولأن السرقة من الفساد في الأرض فلا يمكن المستأمن من هذا الفساد [158] .

ثالثًا: جريمة الزنى:

اختلف الفقهاء في إقامة الحد على المستأمن إذا ارتكب جريمة الزنى على مذهبين:

المذهب الأول: لا يقام الحد على المستأمن إذا زنى.

وهو قول أبي حنيفة ومحمد [159] والمالكية [160] وهو مذهب الشافعية في المشهور [161] ، ووافقهم الحنابلة إذا ما زنى بغير مسلمة أما إذا زنى بمسلمة فإنه يقتل [162] .

ودليلهم:

لأن إقامة الحد تبنى على الولاية، والولاية تبنى على الالتزام إذ لو ألزمنا المستأمن حكمنا من غير أن يلتزمه أدّى ذلك إلى تنفيره من دارنا، وقد ندبنا إلى معاملة تحمله على الدخول في دارنا ليرى محاسن الإسلام فيسلم، وهو بالأمان التزم حقوق العباد لأن دخوله لقضاء حاجته وهي تحصل بذلك فالتزم أن ينصفهم كما ينصف وأن لا يؤذي أحدا كما لا يؤذى فيلزمه بالتزامه.

وأما حقوق الله تعالى فلا تلزمه لأنه لم يلتزمها ولهذا لا تضرب عليه الجزية ولم يمنع من الرجوع إلى دار الحرب فعلم بذلك أنه حربي على حاله وأن حكم الأمان لا يظهر بالنسبة إلى حقوق الله تعالى ومنها حد الزنى [163] .

وقال الحنابلة: لا يحد المستأمن إذا زنى بغير مسلمة لأنه كالحربي في عدم التزامه بأحكام الإسلام، أما إذا زنى بمسلمة فإنه يجب به القتل لنقض العهد و لا يجب مع القتل حد سواه [164] .

المذهب الثاني: يقام حد الزنى على المستأمن.

وهو قول أبي يوسف [165] والشافعية في وجه [166] ، ودليلهم:

أن المستأمن يعتقد حرمة الزنى لكونه محرما في كل الأديان، وقد قدر الإمام على إقامته عليه، وقد التزم أحكامنا فيما يرجع إلى المعاملات والسياسات مدة مقامه في دارنا كالذمي الذي التزمها مدة حياته [167] .

والذي يظهر هو رجحان المذهب الثاني وذلك أن الزنى من أكبر المحرمات ومما اتفق على تحريمه الشرائع كلها، ومفاسده من شيوع الفاحشة واختلاط الأنساب ونحو ذلك تلحق الأفراد والمجتمعات سواء أكان مرتكب هذه الجريمة مسلما أم ذميا أم مستأمنا، ولذا كان لابد من إقامة العقوبات الشرعية الرادعة لزجر المجرمين وضعاف الدين والإيمان من تعدي محارم الله تعالى وحدوده، وقد أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - الحد على اليهوديين اللذين زنيا ورجمهما لأنهما تحت ولاية الدولة الإسلامية وقد تحاكما إليه.

وقد أجمل بعض الباحثين المعاصرين [168] موقف الفقهاء المتقدمين من الحصانة القضائية للمبعوث الدبلوماسي فيما يتعلق بالجرائم والجنايات في ثلاثة اتجاهات:

الاتجاه الأول: تقام الحدود كلها إذا رفعت للقاضي المسلم، وهو مذهب الحنابلة والأوزاعي وهو قول الإمام أبي يوسف من الحنفية واستثنى حد الشرب وذلك لأنه يعتقد حله فلا يقام الحد عليه [169] ، ومعنى هذا أن الفقه الإسلامي لا يقر للمبعوث الدبلوماسي بأية حصانة ضد القضاء في الدولة الإسلامية.

وحجة هذا الاتجاه: أن المستأمن بطلبه دخول دار الإسلام قد قبل أن يلتزم أحكام الإسلام مدة إقامته، ولأنه لما منح إذن الإقامة منحه على هذا الشرط فصار حكمه حكم الذمي و لا فرق بينهما إلا أن الذمي أمانه مؤبد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت