لقد اختلفت مذاهب الفقهاء في عقوبة المستأمن إذا صدرت منه بعض الجرائم التي تمس حقوق الله تعالى أو حقوق العباد، وسيتناول هذا المطلب بيان بعض هذه الجرائم وعقوباتها في ضوء الأدلة الشرعية ومذاهب الفقهاء.
أولًا: جريمة القتل:
لا خلاف بين الفقهاء في وجوب القصاص على المستأمن إذا قتل مسلما أو ذميا أو مستأمنا [144] ، ودليلهم:
1 -قوله - صلى الله عليه وسلم:"من اعتبط مسلما بقتل فهو به قود"قال الشافعي: فهذه جامعة لكل من قتل. [145]
2 -أن كل واحد من هؤلاء القتلى معصوم الدم بإيمان أو أمان.
3 -أن المستأمن التزم أحكام الإسلام فيما يرجع إلى حقوق العباد، والقصاص من هذه الحقوق فيجب عليه.
وعلى هذا فإذا ارتكب المبعوث الدبلوماسي جريمة قتل فإنه يخضع للأحكام الشرعية في هذا الباب ويقام عليه القصاص متى توافرت أركانه وشروطه، وذلك لعموم النصوص الشرعية الدالة على وجوب استيفاء القصاص من القاتل كقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى} [146] ، وقوله - صلى الله عليه وسلم:"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يودى وإما أن يقاد" [147] ، ثم إن عدم إقامة القصاص على المبعوث الدبلوماسي يفضي إلى إهمال حقوق العباد التي اهتم بها الشرع المطهر ووضع لها نظاما فريدا لتحصيلها والحفاظ عليها. [148]
وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم:"الرسل لا تقتل" [149] ، فليس على إطلاقه وإنما ذلك محمول على أنه لا يقتل لكونه رسولا يحمل رسالة ويمثل من أرسله، فلا يؤاخذ بما حملته الرسالة من إهانات أو تجريح، ولا يتحمل تبعة جرائم ومخالفات من أرسله، أما إن أخل الرسول بمقتضيات وظيفته وأهمل قوانين البلاد المبعوث إليها واعتدى على أفرادها بالقتل فلا يعفيه من مسؤولية تصرفاته الشخصية كونه رسولا، ولا يلغي حقوق العباد التي اعتبرها الله تعالى لمجرد كونه مبعوثا دبلوماسيا.
ثانيًا: جريمة السرقة:
اختلف الفقهاء في عقوبة المستأمن إذا ما ارتكب جريمة السرقة وتوافرت أركانها وشروطها على مذهبين:
المذهب الأول: لا يقام حد السرقة على المستأمن.
وهو قول أبي حنيفة ومحمد بن الحسن [150] والقول الأظهر للشافعي [151] .
ودليلهم: أن من شروط إقامة حد السرقة أن يكون السارق ملتزما أحكام الإسلام، والمستأمن لم يلتزم بالأمان ما يرجع إلى حقوق الله تعالى من الأحكام، وحد السرقة حق الله تعالى فيه غالب فلم يلتزمه المستأمن فلا يقام عليه.
المذهب الثاني: يقام حد السرقة على المستأمن.
وهو قول المالكية [152] والحنابلة [153] وقول للشافعي [154] وأبي يوسف [155] من الحنفية، ودليلهم:
1 -... أن المستأمن التزم أحكام الإسلام مدة إقامته في دار الإسلام فصار كالذمي فيقام عليه الحد.
2 -... أن السرقة من الفساد في الأرض فلابد من عقاب زاجر يمنع كل أحد في دار الإسلام من هذا الفساد.
3 -أن هذا الحد وجب صيانة للأموال كما وجب حد القذف صيانة للأعراض فكما يجب هذا على المستأمن يجب ذاك عليه أيضا. [156]
وذهب الشافعي في قول ثالث إلى التفصيل وهو إن شرط عليه في العهد قطعه إن سرق قطع وإلا فلا قطع ولا حد. [157]