المذهب الثاني: يصدق سواء كان معه كتاب أم لا ولا يتعرض له لاحتمال ما يدعيه.
وهو مذهب الشافعية [71] وهو قول محمد بن الحسن [72] ورواية عن أحمد [73] ، ودليلهم:
1 -حديث ابن مسعود المتقدم حيث أمن النبي - صلى الله عليه وسلم - رسل مسيلمة ولم يتعرض لهم.
2 -لأن الرسل لم تزل تأتي من غير سبق أمان وهذه عادة جارية وعرف مستقر، وانتظام المصالح يمنع من قتل رسول الكفار، لأنه لو قتل لفاتت مصلحة المراسلة، وهي مصلحة راجحة على ما قد يكون من المفسدة [74] .
وقال محمد الشيباني:"إن الرسل إذا لم يكونوا آمنين لا يستطيعون تأدية الرسالة فالأمان لهم بغير شرط وإن شرط لهم ذلك وكتب به وثيقة فهو أحوط".
المذهب الثالث: إن حمل الرسول رسالة فيها مصلحة للمسلمين من هدنة وغيرها فهو آمن، وإن كان رسول تهديد ووعيد فلا أمان له ويخير الإمام فيه بين الخصال الأربع (القتل والاسترقاق والمنّ عليه والمفاداة بمال أو نفس) .
وهو قول الروياني من الشافعية، وقد علق النووي على ذلك بقوله: ليس ما ادعاه الروياني بمقبول والصواب أنه لا فرق وهو آمن مطلقا [75] .
والذي يظهر رجحانه هو القول الأول لقوة أدلتهم وما استدل به المذهب الثاني فيمكن الجواب عنه بما يلي:
1 -أما حديث ابن مسعود فرسولا مسيلمة كانا يحملان معهما كتابا منه للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
2 -أن الأصل احترام سيادة الدولة المسلمة، فلا يجوز دخول أراضيها إلا بإذن ومبرر ومن ذلك السفارة بين الملوك، فإن دخل المبعوث الحربي أرض المسلمين وكان معه ما يدل على غرضه قبل منه ولا يكلف إقامة البينة على ذلك وإنما يكتفى بالعلامة وهي أن يكون معه كتاب من حاكم بلاده، فإذا أخرج ذلك الكتاب فالظاهر أنه صادق والبناء على الظاهر واجب فيما لا يمكن الوقوف على حقيقته، وإن لم يفعل فيبقى على الأصل في علاقة المسلمين بالحربيين.
وقد اختلف الفقهاء في مسألة وهي هل يشترط لثبوت الأمان للرسول أن يعقد له ذلك أم يثبت له الأمان بغير شرط؟ اختلف الفقهاء على مذهبين:
المذهب الأول: أن الأمان يثبت للرسل بغير شرط.
وهو قول الجمهور [76] ، ودليلهم:
حديث تأمين رسل مسيلمة، وإنما أقر هذا المبدأ لما له من أهمية تفاوضية قد يترتب عليها إنهاء الحرب بعقد الهدنة أو الجزية وربما دخولهم في الإسلام ويلزم لإثبات الأمان للسفير أو الرسول أن يحمل معه أن أوفد من قبل رئيسه بأن يحمل رسالة عليها خاتمه ونحو ذلك [77] .
المذهب الثاني: لا يثبت الأمان للرسول إلا بالعقد فمجرد كونه رسولا لا يعصمه.
وهو قول الحسن بن زياد صاحب أبي حنيفة [78]
ولا شك أن المذهب الأول أظهر لقوة أدلته وملاءمتها لطبيعة عمل الرسل وأهميته، وبهذا يظهر أن جمهور الفقهاء يقيمون امتيازات الرسل والسفراء على أساس مقتضيات الوظيفة وضرورة أداء الرسالة لتحقيق المصلحة بالإضافة إلى ما تقدم من استنادهم إلى عقد الأمان [79] .