فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 51

حماية المبعوث وتأمين وصوله من الأغراض الأساسية للدبلوماسية، وكانت الحرمة الشخصية أول قاعدة تثبت في طريق إقرار الحصانات، وهذه الحرمة تدور حول مبدأ عدم التعرض للمبعوث أو قتله، ولكي يحافظ أكثر على شخص المبعوث أسبغت على الرسل والمبعوثين هالة من القدسية ووضعوا تحت حماية الآلهة ـ بزعمهم ـ.

وفي هذه المرحلة من تطور الدبلوماسية لم تبرز مفاهيم نظرية محددة للحصانات والامتيازات وذلك بسبب ضعف تطور العلاقات الاجتماعية والسياسية، وبسبب عدم وجود الطابع الدولي، ولذلك كانت الحصانات والامتيازات ترتكز على تصورات دينية تؤكد أهمية مركز الميعوثين الدبلوماسيين ومهمتهم.

ومع نمو العقل الاجتماعي للقبيلة بدأت تكون علاقات أبعد مدى مع القبائل الأخرى متمثلة في تبادل الرسل والمبعوثين المؤقتين بين القبائل الصديقة وأحيانا المتعادية، وهذا التطور استلزم تمتع المبعوث بالحصانة الشخصية كنوع من القداسة التي تحيط بمهمته، كما كان قتل السفير أو إلحاق الضرر أو الإهانة به سببا في بدء القتال من جانب قبيلته.

وأما عرب الجاهلية فكانت القبائل ترسل الوفود للتهاني والتعازي والتشاور والتفاوض والتحالف، فقد عرفوا وظيفة السفارة ومهامها، وعرف عن بني عدي وهم من بطون قريش توليهم السفارة قبل الإسلام.

وبعد بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - استمرت الرسل بوظائفهم المعتادة، فقد أرسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عددا من الرسل إلى رؤوساء القبائل والملوك والأمراء يدعوهم إلى الدخول في دين الله تعالى، وقد استقبل كذلك الرسل من قبل الملوك والأباطرة بالتكريم والحفاوة، وقد حذا الخلفاء حذو النبي - صلى الله عليه وسلم - في إيفاد الرسل والكتب والبعثات الدبلوماسية التي تنوعت أغراضها.

وهكذا أصبحت الحصانة الشخصية عرفا مستقرا لدى القبائل والشعوب، ومع تطور العلاقات الدولية بدأت تبرز أهمية منح الحصانات والامتيازات للمبعوثين من أجل تأدية مهامهم على أكمل وجه، وانتقلت من أن تكون حماية دينية إلى تشريعات وقوانين تنظم هذه العلاقات المتبادلة، كما بدأت تظهر النظريات التي تبرر منح مثل هذه الحصانات والامتيازات الدبلوماسية، وكان صدور هذه التشريعات والقوانين من قبل الدول تأكيدا على أهمية هذه الحصانات من أجل استقرار نظام العلاقات الدبلوماسية الدائمة وتأكيدا على الاحترام الواجب منحه لشخص المبعوث الدبلوماسي.

فقد كانت هولندا أول من أصدر عام 1651 م مثل هذه التشريعات، بعد التشريعات الأولى التي صدرت في جمهورية فينيسيا سنة 1554 م وقبل التشريعات التي صدرت لاحقا في كل من بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأخرى. [1]

وقد استمرت التشريعات والقوانين بالصدور حتى تم التوقيع على اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية في 18 إبريل 1961 م في ختام أعمال مؤتمر دولي عقد تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة، وقد اعتمد المؤتمر على مشروع أعدته لجنة القانون الدولي التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، وتغطي الاتفاقية كافة الموضوعات المتعلقة بإقامة العلاقات الدبلوماسية التقليدية بين الدول ذات السيادة ومنها حصانات وامتيازات البعثة الدبلوماسية وأعضائها. [2]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت