بعد ذلك بدأ المؤلف ببيان منزلة العلم، وأن العلم نعمة من النعم التي ينعم الله بها على عباده، وقد جاءت النصوص متواترة في بيان فضل العلم، ومكانته، ومنزلته منها قوله سبحانه: {يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا} [1] ومنها قول النبي -"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"كما في الصحيح من حديث معاوية، وجاء في الحديث الآخر في الصحيح"أن النبي - كان يدرس أصحابه في المسجد، فأقبل ثلاثة نفر؛ دخل أحدهم في الحلقة، وجلس الآخر خلف القوم، وولى الثالث مدبرا. فقال النبي - ألا أخبركم مثل القوم؛ أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله، وأما الآخر فاستحيا من الله فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرض فأعرض الله عنه".
والعلم يستفاد به شيئان:
الشيء الأول: اليقين الذي تزول به وساوس الشيطان بالشبهات، فاليقين من صفة أهل الإيمان، وكلما كان المرء عالما كلما حصل له اليقين، وكلما كان متمسكا بمنهج السلف الصالح، وعقيدة أهل السنة حصل له من اليقين ما لم يحصل لغيره، ولأمثاله من أصحاب العقائد، والاتجاهات الأخرى.
والأمر الثاني مما يحصل به العلم: ما يدفع الله به الشهوات عن القلب الورع الذي تندفع به الشبهات، ولهذا كان العلماء هم أهل الخشية: إِنَّمَا إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ [2] لأنهم عندهم من العلم ما يدفع الله به الشبهات والشهوات.
وقول المؤلف هنا: إن أفضل المنن هو العلم، ليس ظاهره مرادا للمؤلف؛ لأنه من المعلوم أن أفضل نعمة ينعم الله بها على العباد هي رؤيته -سبحانه- في الجنة يوم القيامة، كما ورد ذلك في صحيح مسلم من حديث صهيب، ولكن نقول بأن العلم لما كان موصلا إلى الجنة التي يحصل فيها لقاء الله - عز وجل - والنظر إليه كان العلم وسيلة لأفضل النعم.
(1) - سورة الزمر آية: 9.
(2) - سورة فاطر آية: 28.