وجاء في حديث ابن مسعود في التشهد أن المتشهد يقول: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين قال النبي -"فإنك إذا قلت ذلك فقد سلمت على كل عبد صالح في السماء وفي الأرض".
فدل ذلك على أن الصالحين يفيد العموم، بتفسير النبي - لذلك بالعام، إذا تقرر ذلك، فإن قول المؤلف هنا:"كالعليم"لا يصح أن يمثل به في هذه المسألة؛ لأن"أل"هنا عهدية وليست جنسية، وكون هذا اللفظ يستفاد به وصف الله - عز وجل - تمام هذه الصفة، هذا مأخوذ من كون هذه الصفة صيغة مبالغة، أو صيغة مشبهة وليس مأخوذا من كون معرفًا بـ"أل".
ولو قيل أن هذا اللفظ يفيد العموم لكان في ذلك موافقة لعقائد أهل الحلول والاتحاد، وهي عقيدة فاسدة، إذا قيل: أسأل الله العليم كأنه قال: أسأل الله الذي هو كل عليم، ولا شك أن المخلوق يوصف بالعلم، لكن لكل علم يناسبه، فتقرر من ذلك: أن اسم"العليم"لا يصح أن يمثل به هذه المسألة، نعم.
والنكرات في سياق النفي ... تعطي العموم أو سياق النهي
هذا هو النوع الثاني من ألفاظ العموم، النكرة في سياق النفي، فإذا كان الكلام منفيًا، ووجدت فيه كلمة نكرة ليست بمعرفة، فإن أسلوب هذا الكلام يستفاد منه العموم، ومن أمثلة ذلك قوله -جل وعلا- أو قولنا: لا إله إلا الله، فإله هنا نكرة في سيقا النفي تكون دالة على العموم، والدليل على أن النكرة في سياق النفي دالة على العموم قول الله -جل وعلا-: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ} [1] "بشر"نكره"من شيء"نكره جاءت في سياق النفي ما أنزل الله، فرد الله عليهم: {قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى} [2] .
ولم يكن الأسلوب السابق مفيدًا للعموم لما حصل الرد على اليهود القائلين بذلك بهذا اللفظ، إذ يمكن أن يقولوا: تلك العبارة ليست عامة فلا تشمل موسى ولا تشمل الكتاب الذي أنزل عليه.
وتتأكد دلالة النفي على العموم في حالات، منها إذا كانت النكرة مركبة ومبنية مع"لا"مثل لا إله إلا الله، وتتأكد أيضًا إذا كانت النكرة مسبوقة بـ"من"مثل قوله - عز وجل - {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ} [3] .
وتتأكد أيضًا إذا كانت النكرة مما يختص بالنفي فلا ترد إلا في أسلوب النفي مثل قوله سبحانه: {وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَد (4) } [4] فأحد هنا ما يختص بالنفي، ولا يصح أن نورد أحد في أسلوب الإثبات فهذا تتأكد فيه الدلالة على العموم، فأحد عامة جميع الناس وجميع المخلوقات وجميع ما عدا الله، فإنه لا يكون كفوًا لله - عز وجل -.
ومما يلحق بالنفي النهي، فإذا وردت النكرة في سياق النهي أفادت العموم كما في قول المؤلف،"أو سياق النهي"ومن أمثلته قوله -جل وعلا-: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) } [5] "شيء"نكرة في سياق النكرة ولا تقولن فتكون عامة، ومثله أيضًا النكرة في سياق الاستفهام الإنكاري، فإنها تفيد العموم في مثل قوله - عز وجل - {هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (65) } [6] سميًّا نكرة في سياق الاستفهام الإنكاري فتكون عامة.
وكذلك النكرة في سياق الشرط تفيد العموم، مثل قوله - عز وجل - {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ} [7] "أحد"نكرة في سياق الشرط"إن"فتكون عامة، نعم.
كذلك من وما تفيدان معًا ... كل العموم يا أُخيَّ فاسمعا
هذا النوع الثالث من أنواع الألفاظ العموم الأسماء المبهمة ومنها"مَنْ"فتح الميم وإسكان النون ليست"مِنْ"حرف الجر،"من"وهي تفيد العموم سواء كانت في سياق سواء كانت شرطية، مثل قوله - عز وجل - {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) } [8] أو وقوله - عز وجل - {وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) } [9] وقوله: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [10] .
أو كانت في سياق، أو كانت استفهامية مثل قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [11] {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} [12] أو كانت موصولة بمعنى الذي مثل قوله: {وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} [13] كل هذه في سياق، هذه الأدوات أدوات شرط فتكون عامة.
والدليل على عموم هذا اللفظ أن النبي - سئل عن الحمر فقال:"لم ينزل علي فيها شيء إلا هذه الآية الجامعة الفذة، {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8) } [14] "فأثبت العموم للفظ من هنا.
ومن ألفاظ العموم"ما"أيضًا و"ما"تقع على نوعين النوع الأول: تقع اسمية فتكون مفيدة للعموم، سواء كانت"ما"شرطية مثل قوله: {وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ} [15] أو كانت اسم استفهام مثل: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) } [16] أو كانت اسم موصولًا مثل: {وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} [17] فهي مفيدة للعموم في هذه الأنواع الثلاثة.
ودليل إفادة ما للعموم أنه لما نزل قوله سبحانه: {إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (98) } [18] اعترض بعض المشركين على هذا اللفظ بأن عيسى وعزيرًا والملائكة يعبدون، ومع ذلك ليسوا من أهل النار، فقالوا: نرضى بأن نكون معهم فنزلت الآية ببيان أنهم غير مرادين بالآية السابقة {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) } [19] الآيات.
(1) - سورة الأنعام آية: 91.
(2) - سورة الأنعام آية: 91.
(3) - سورة الأنبياء آية: 25.
(4) - سورة الإخلاص آية: 4.
(5) - سورة الكهف آية: 23.
(6) - سورة مريم آية: 65.
(7) - سورة التوبة آية: 6.
(8) - سورة الزلزلة آية: 7.
(9) - سورة الطلاق آية: 2.
(10) - سورة البقرة آية: 194.
(11) - سورة البقرة آية: 255.
(12) - سورة البقرة آية: 245.
(13) - سورة الأنبياء آية: 19.
(14) - سورة الزلزلة آية: 7 - 8.
(15) - سورة البقرة آية: 197.
(16) - سورة طه آية: 17.
(17) - سورة آل عمران آية: 109.
(18) - سورة الأنبياء آية: 98.
(19) - سورة الأنبياء آية: 101.