والواجبات المالية قد يعجز عنها لعدم وجود المال أو لعدم القدرة على التصرف فيه، مثل: من لم يجد الزاد والراحلة في الحج سقط عنه وجوب الحج، وهناك واجبات قولية تسقط عن الأبكم الذي لا يستطيع الكلام، وهذه الواجبات على نوعين:
منها ما له بدل فإذا عجز عن الأصل سير إلى البدل، مثل: الوضوء والتيمم، ومنها ما إذا سقط لا يكون له بدل، مثل: وجوب الحج إذا سقط عن غير المستطيع.
وإذا تقرر ذلك، هل العجز عن بعض الواجب يسقطه؟
هذه قاعدة مهمة: هل العجز عن بعض الواجب يسقطه؟ هذا يختلف باختلاف بعض الواجبات فإن الواجبات على نوعين:
النوع الأول: واجبات لا تتبَعَّض وإنما هي جزء واحد، فإذا عجز العبد عن بعضه سقط الجميع، ومثال ذلك: صاع الفطرة إذا عجز الإنسان عن بعضه سقط الجميع، ومثال آخر: إذا وجبت على الإنسان رقبة وعجز عن بعضها لم يجد إلا نصف رقبة مِلك اليمين فإنه حينئذ يسقط عنه الواجب، وهذا يعبر عنه الفقهاء بقولهم: ما لا يتبعَّض فاختيار بعضه كاختيار كله، أو قالوا: فسقوط بعضه كسقوط كله.
والنوع الثاني: واجبات تتبعَّض وليس بعضها مرتبطا بالآخر، فحينئذ إذا عجز عن البعض لم يسقط الباقي، مثل ستر العورة في الصلاة إذا عجزنا عن ستر بعض العورة وجب علينا ستر الباقي، ويعبر عنه الفقهاء بقولهم: الميسور لا يسقط بالمعسور.
وهناك واجبات تتردد بين الأمرين: هل هي وحدة واحدة أو هي أجزاء تتبعَّض فيقع الخلاف بين الفقهاء، مثال ذلك: الوضوء إذا عجز الإنسان عن غسل جميع أعضائه في الوضوء، وتمكن من غسل بعض الأعضاء، فهل يجب غسل البعض المقدور عليه؟ يقول: هل الوضوء يتبعَّض أو لا يتبعض؟ إن كان الوضوء يتبعض فإنه حينئذ يجب غسل ما يستطاع منه، وإن كان لا يتبعض فإنه لا يجب الغسل.
القاعدة الثانية: لا مُحَرَّم مع اضطرار، يعبر عنه كثير من الفقهاء بقولهم: الضرورات تبيح المحظورات، والمراد بالضرورة ما يلحق العبد ضرر بتركه بحيث لا يقوم غيره مقامه، هذا المراد بالضرورة على الصحيح.
بعض الفقهاء يقول: ما ترتب عليه فوات الحياة أو فوات عضو، وهذا لا يصح، وإنما الصواب أن يقال في تفسير الضرورة: ما لحق المكلَّف ضرر بعدم فعله ولا يقوم غيره مقامه، بخلاف الحاجة فإن الحاجة هي ما يلحق المكلَّف ضرر بتركه، لكنه قد يقوم غيره مقامه.
مثال الضرورة: إذا كان الإنسان مضطرا ولم يجد إلا الميتة، فهنا لو ترك الميتة لحقه ضرر ولا يقوم غيره مقامه، ما يجد إلا الميتة فهذا ضرورة.
ومثال الحاجة: ما ورد في الحديث أن النبي - انكسر إناؤه فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة، فهذا حاجة يمكن أن يلصق الإناء بعضه ببعض بحديد أو بغيره بصفر أو بغيره من الأمور التي يحصل بها الالتحام، فهذه حاجة.
والضرورة تبيح المحظور مطلقا، بينما الحاجة لا تبيح المحظور إلا إذا ورد معها دليل؛ لذلك فقول بعضهم: الحاجة تَنزل منزلة الضرورة لا يصح على اختيار هذا الضابط السابق، وهناك مراتب للمطلوب غير هذه المراتب:
فالمنفعة: ما يحصل للإنسان بفقده ضرر أو ما يحصل للإنسان بحصوله منفعة، ولا يحصل بفقده ضرر.
والزينة: ما يحصل للإنسان بوجوده منفعة لكنه لا يحصل بفقده ضرر.
والفضول: ما لا يحصل بأفراده ضرر، لكن يحصل بمجموعه ضرر.
وهناك اللذة المحرمة أو المكروهة التي قد تطلبها بعض النفوس.
هذه أنواع المطلوب ودليل القاعدة قاعدة المحظورات تباح بالضرورات عدد من النصوص.
ودليل القاعدة -قاعدةالمحظورات تباح بالضرورات-: عدد من النصوص الشرعية، منها قوله +جل وعلا: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [1] وقوله سبحانه: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ} [2] فالأولى -الآية الأولى- قد يقال: بأنها خاصة
(1) - سورة البقرة آية: 173.
(2) - سورة الأنعام آية: 119.