لأن هذا يعتبر إذنًا في العرف، ولكن لو وضع الطعام، ثم قيل لا تأكل من هذا الطعام، فهنا وجدت في مقابلة العرف قرينة تدل على أن ما تعارف عليه الناس ليس مرادًا.
ومن أمثلته أيضًا: لو كان العرف أن الإجارة يسلم نصف إجارة البيت في أول السنة، والنصف الآخر في وسط السنة فاتفق المستأجر والمؤجر على تسليم الدفعة الأولى في وسط السنة، فهنا العرف لا يعمل به؛ لأنه وجد تصريح يخالف العرف.
وقد عبر الفقهاء عن هذه القاعدة، قاعدة إعمال العرف بعدد من الألفاظ: منها قولهم: العادة محكمة. منها قولهم: الحقيقة تتدرك بدلالة العادة. ومنها قولهم: المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا. ومنها قولهم: المعروف بين التجار كالمشروط بينهم.
وقد أشار المؤلف إلى مجال من مجالات العرف في قوله:"إذا ورد حكم من الشرع لم يحد"، وذلك أنه إذا ورد لفظ مطلق في أدلة الشريعة، فإننا أولًا نرجع إلى اصطلاح الشريعة.
مثال ذلك قوله سبحانه: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ} [1] فنعمل بتفسير الشارع بهذا اللفظ، فإذا لم يوجد في الشارع تفسير للألفاظ الشرعية رجعنا إلى اللغة، مثل قوله: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ} [2] نرجع إلى دلالة اللغة لعدم وجود تفسير شرعي لهذا اللفظ، فإذا لم يوجد تفسير شرعي ولا تفسير لغوي، رجعنا إلى العرف.
مثال ذلك: أن الشريعة جاءت بأن السارق لا يقطع إلا إذا سرق من الحرز، والحرز لا ضابط له في الشرع ولا في اللغة، فيرجع إلى العرف، ومثله النفقة على الزوجة أو القريب لا يوجد لها ضابط محدد في الشرع ولا في اللغة، فيرجع إلى العرف، وقد أناط الشارع حكم النفقة بالعرف، وترك المؤلف عددًا من مجالات إعمال العرف غير هذا المجال، مثل تفسير ألفاظ الناس.
(1) - سورة البقرة آية: 43.
(2) - سورة المائدة آية: 38.