والتي تحدد أنماط القيم والعادات والسلوك والتفكير، والتي تعكس طبيعة العجينة التي عجنتها الأسرة سواء في التنشئة وتحديد مصير وطبقة ومكانة وثقافة الفرد ... بل ودينه الذي ورثه منها من جهة، وباعتبار أن الأسرة سابقة على المجتمع والدولة مما أدى إلى تجذّر القيم الأبوية وعلاقات القربى والطائفة والجماعة العرقية التي تجذب الفرد من حيث لا يدري ولا يشعر كما يقول هشام شرابي (النظام الأبوي وإشكالية تخلف المجتمع العربي) ، بالإضافة إلى تأثير البيئة الطبيعية التي صاغت الأسرة والفرد وقولبتهما حسب أنماط وقيم وممارسات واضحة ومحددة، ولهذا فلا يستطيع المجتمع أن يفرض سلوك أو معايير محددة على الأسر ... بل العكس هو الصحيح، ومن هنا نستطيع القول بأن المجتمع عبارة عن مجموعة من الأسر والجماعات تعيش مع بعضها البعض كونت تجمعا (مجتمعا) ، مكون من ألوان شتى من العادات والتقاليد والقيم والمعايير بشكل غير متناسق وغير منظم أو منتظم، ومن هنا يكون عرضة للفوضى والصراعات، وخاصة عندما يكون مجتمعا فسيفسائيا- Tessellation كالمجتمع العربي والفلسطيني خاصة، حيث تعمل الجماعات التقليدية والنظم السياسية على تعزيز وترسيخ التعددية والطائفية والعرقية ونمط تربوي واقتصادي مشوه حيث"تنتج دائرة محكمة يصعب كسرها ... حسب قول حليم بركات (المجتمع العربي المعاصر) ... !"
إن هذه الدائرة معززة بالصراعات وتسلط الأنظمة الاستبدادية والأبوية التي تبلور علاقات قائمة على القنص والذعر، والتي تؤدي إلى نشوء علاقات قائمة على التناقض في المصالح والصراعات القومية والطبقية، والسعي الدائم نحو تأمين المعيشة ولقمة العيش، واللهاث وراء الاستنفاخ والنمط الاستهلاكي بشتى السبل، ولهذا تنتج ثقافة وقيم وأنماط تربية وسلوك وبناء شخصية تحمل سمات هذه التفاعلات.
وعلى اعتبار أن الفرد مرتبط بمجتمعه من حيث السلوك الذاتي والموضوعي ويكمل كل منهما الآخر ضمن نسق ثقافاجتماعي، ورغم ارتباط وتفاعل الطرفين حسب نظرية -النسق الاجتماعي - فان معطيات (ومخرجات) النسق كما استعرضناه سالفا لا يقوم بوظائفه بشكل هادئ ومريح، بل تعتريه حالات توتر واضطراب وفوضى .. فتعيق أدائه الوظيفي ويؤدي إلى ضعف وربط الفرد بالمجتمع لكونه نسقا مغلقا ... وليس مفتوحا ... لاستقبال المؤثرات المحيطة والتي يعيش بوسطها