ان المجتمعات الانسانية بحكم تطورها وتغيرها تحدث فيها اعتلالات واوهان وامراض وظواهر ومشكلات اجتماعية تصيب انساقه وبناه وتنظيمه ومعاييره وقيمه وخاصة في وقتنا الحاضر، اذ نلاحظ ان مشكلات المجتمع في تزايد وتفاقم بسبب التغيرات الحاصلة والتنافس المستعر بين افراده من اجل المزيد من الثروة والقوة والسيطرة والنفوذ من جهة، وبسبب ازدياد اعداد مستشفيات الامراض العقلية والنفسية والعصبية من جهة اخرى.
بالرغم من قلة ومحدودية المصادر التي عالجت هذه القضية، ومدى انتشارها واسبابها ونتائجها من جهة، ولما كانت الحياة الاجتماعية مستمرة في تغيرها وتطورها من جهة اخرى، فان مضامينها تكون متشعّبة ومتسعة ومتغيراتها متعددة، حتى تعذّر على البحّاثة وخاصة علماء الاجتماع وعلم النفس الاجتماعي ان يصلوا الى نتائج حاسمة حولها، من حيث كينونتها كمشكلة او آفة او ظاهرة او مرض او ازمة، وخاصة فيما يتعلق بالتراث المتنوع والمتنافر بسبب التحولات الاجتماعية، فهي (النظرية) إما مكمّلة لسابقاتها أو جديدة بطرحها، ولهذا بقي علم الاجتماع قاصرا عن تناول جوانب وظواهر الأحداث الاجتماعية بسبب سرعة تطور الحياة الاجتماعية واستحالة بناء نظرية اجتماعية واحدة تدرس كل أحوال المجتمع وحركاته وتطوراته.
ولم يزل علماء الاجتماع والنفس من بحّاثة ومتخصصين يكابدون للوصول إلى نتائج حاسمة حول ظاهرة الفوضى ... فكان من المتعذر بلورة نظريات غرارية - منوالية .. (معن خليل عمر، 1997، ص/ 12) ، لكن علينا البدء في تحديدها من حيث أنها مشكلة اجتماعية انحرفت عن القيم والمعايير والنظم السائدة ... وكنمط من السلوك تحول إلى مشكلة مع تعاقب الزمن، وأسبابها إما أن تكون من الفرد أو من التركيب الاجتماعي" (غسان التل، 1999، ص / 2 - 4) ... والتي تتحدد من وجهة نظر المجتمع أو لأحد قطاعاته المهمة بوضع غير مرغوب فيه والسعي للتخلص منه أو احتوائه أو تقليصه بطرق ووسائل معروفة له سلفا وبإمكانات تنظيمية ومادية متاحة يمكن تعبئتها لهذا الغرض (غسان سلامة وآخرون، 1996، ص /330) ... ولهذا فهناك علاقة جدلية بين التغيرات والمشكلات الاجتماعية .. بتأثير العوامل الخارجية والداخلية كسبب ونتيجة، ناهيك على أنها تخدم شريحة أصحاب المصالح في المجتمع ... وبالتالي تنشأ (الفوضى) بسبب التناقض بين"