سئل مالك عن المضطر إلى الميتة، أيأكل منها وهويجد ثمرًا لقوم أوزرعًا أوغنمًا بمكانه أم لا؟
فقال: إن ظن أن أهل تلك الثمر والزروع أوالغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده؛ رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل من ذلك شيئًا. وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة. وإن هوخشي أن لا يصدقوه وأن يعدوه سارقًا بما أصاب من ذلك؛ فإن أكل الميتة خير له عندي. وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة [1] .
ويقول ابن القاسم [2] وابن وهب [3] : يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر. ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل. [4]
وإن علم المضطر أن صاحب المال لن يصدقه، واستطاع أن يأخذ ماله على وجه التخفي والتستر فيأكل منه ويترك الميتة. وإن لم يستطع، أكل الميتة حتى لا يتعرض للضرب أوقطع يده [5] .
ويورد الدسوقي في حاشيته تساؤلًا، فيقول: إن قلت أن المضطر إذا ثبت اضطراره لا يقطع ولا يضرب ولوكان معه ميتة. فكيف يخاف القطع؟ قلت: القطع قد يكون بالتغلب والظلم [6] .
والفرق بين القول الثاني والثالث، أن القول الثاني لم يشترط الخوف من العقوبة، بخلاف القول الثالث.
(1) التاج و الإكليل ج 3 ص 234، و ينظر ايضا تفسير القرطبي ج 2 ص 229
(2) هو عبدالرحمن بن القاسم العتقي، يكنى أبا عبدالله. من كبار فقهاء المصريين، روى عن مالك و الليث و ابن الماجشون و غيرهم قال عنه مالك أنه فقيه. أثبت من روى الموطأ عن مالك و فتاويه، إذ انفرد بصحبة مالك ما يقارب عشرين سنة. توفي سنة 191 هـ. ينظر الديباج المذهب ص 146 - 147
(3) هو أبو محمد عبدالله بن وهب القرشي الأنصاري. تفقه بمالك و الليث و ابن دينار و غيرهم. أفقه الناس و أعلمهم بفقه مالك، و هو أفقه من ابن القاسم إلا أنه يمنعه الورع من الفتيا، و قال عنه مالك إنه عالم. توفي سنة 197 هـ. ينظر الديباج المذهب ص 132 - 133
(4) ينظر الكافي لابن عبد البر ج 1 ص 188، التاج و الإكليل ج 3 ص 233، حاشية الدسوقي ج 2 ص 116
(5) ينظر التاج و الإكليل ج 3 ص 234
(6) ج 2 ص 116