فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 232

و الشاهد الثاني مفاده أن ابن رشد ادعى أن الهالة التي تظهر حول الشمس و القمر و بعض الكواكب، هي ليست موجودة على الحقيقة، و إنما سببها الرؤية و التخيّل عندما ينعكس الضوء الآتي من تلك الأجسام على الغمام، ثم إلى أبصارنا انكسارا مستويا من جميع الجهات [1] .

و قوله هذا غير صحيح، لأن الهالة-أو الإكليل- التي حول الشمس و القمر، لها وجود حقيقي تحيط بكل منهما. و هي غلاف خارجي مُكوّن من الغازات، و هي في الشمس مُتوهجة تمتد إلى ملايين الكيلومترات، و سمكها أكبر من قطر الشمس نفسه، و عليها ينعكس ضوء الشمس ن إلى جانب إشعاعها الذاتي [2] . فابن رشد أخطأ - في مسايرته لأرسطو- من جهتين: الأولى أنه نفى وجود الهالة أصلا. و الثانية أن تفسيره لكيفية ظهور الهالة لم يكن صوابا.

و أما الشاهد الثالث فمفاده أن ابن رشد ادعى -مسايرا لأرسطو- أن الشهب و المذنبات و النيازك مُكوّنة من بعض العناصر الأرضية الأربعة، و هي: الماء، و النار، و الهواء، و التراب. و نفى أن تكون من الكواكب لأنها (( شُوهدت في قدم الدهر هي بأعيانها الكواكب الموجودة إلى الآن، لم ينخرم منها شيء. و أيضا فإن الكواكب السيارة محدودة العدد ) ) [3] .

و أكد على أن تلك الشهب و المذنبات و النيازك، تحدث في الأرض و ليس خارجها. و ذلك أنه عندما تسخن الأرض -بالشمس- يخرج منها بُخار دخاني، فلما يصعد إلى الطبقة العليا من الهواء يكون أكثر استعدادا للالتهاب لأدنى مُحرّك له. فعندما يلتهب تظهر تلك الظواهر، و تندفع النار بشدة و بسرعة كالسهم [4] .

و قوله هذا غير صحيح تماما، لأن الأبحاث و الاكتشافات العلمية الحديثة بينت أن الشهب و النيازك و المذنبات ليست من الأرض، و إنما هي قادمة إليها من المجموعة الشمسية، و من أعماق الفضاء، مُكوّنة من مواد متنوعة، كالكتل الصخرية، و المعادن، و الجليد، و الغازات المتجمدة، و الأتربة، و مصدرها الأجرام السماوية [5] . و بذلك يتبين أن ما ذهب إليه ابن رشد، و انتصر فيه لرأي أرسطو ليس صحيحا، و ما هو إلا ظن و تخمين، و رجم بالغيب، و لم يثبت عند أرسطو و لا عند المشائين، فلو ثبت ما قالوه لكان صوابا.

(1) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 50. و تلخيص الآثار العلوية، ص: 141.

(2) دافيد برجماني: الكون، ص: 91. و شوقي أبو خليل: الإنسان بين العلم و الدين، دار الفكر، دمشق، ص: 65. و الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 190.

(3) ابن رشد: الآثار العلوية، ص: 17، 18.

(4) نفسه، ص: 18، 19، 24.

(5) آن تري هوايت: النجوم، ص: 74. و آرثر بيزر: الأرض، ترجمة جمال الدين الأفندي، سلسلة مكتبة لا يف، 1970، ص: 30 و ما بعدها. و شوقي أبو خليل: المرجع السابق، ص: 166 و ما بعدها. و عبد الحليم خضر: المنهج الإيماني في الدراسات الكونية، ط 1، الدار السعودية، الرياض، 1984، ص: 191 و ما بعدها، و 206، و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت