بحثت عنه في باطن أي مخلوق وجدتَّه فأينما تُولُّوا فثمَّ ختم الله الدَّال على أنَّ له الملك كلُّه وله الحمد كلُّه وهو على كلِّ شيءٍ قدير والدَّليل هو الخاتم. إذن فكلّ مخلوق تراه بعينك هو آية من آيات الله المختومة بخاتم الملِك الحقّ وما عليك سوى تعلُّم كيف تقرؤها.
فإذا أخذنا شيئًا آخر مثل الإنسان ورُحنا نبحث فيه وفي آياته التي قال الله عنها {وَفِي الْأَرْضِ آَيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} الذَّاريات 20، 21 فهيا بنا نبصر من تلك الآيات ما تقرُّ به أعيننا ونعرف به ربَّنا ومالكنا ونحن لن نتحدَّث عن آيات الله ومعجزات خلق الإنسان فهذا أمر يطول وإنَّما نحن نبحث عن آياتٍ من نوعٍ خاصٍّ لأنَّ كلَّ جهاز في جسم الإنسان به من المعجزات والآيات الباهرات في خلقه ما لا يقدر على وصفه واصف وإنَّما نحن نبحث في الرَّابط العام الذي يربط كلَّ هذه الآيات فكما فعلنا مع النَّبات نقوم بنفس الدَّور مع الإنسان فإن آيته أيضًا الخليَّة الحيوانيَّة والتي تختلف عن الخليَّة النَّباتيَّة في بعض الأشياء، المهم أنَّها آية للإنسان وللحيوان عمومًا فإذا تعمَّقنا في تحليلها وجدنا أنَّ آيتها أيضًا هي النَّواة والتي آيتها المادَّة الوراثيَّة DNA فإذا تعمَّقنا وصلنا إلى نفس النَّتيجة السَّابقة وهي أنَّ آية ذلك كلّه ذرَّة الهيدروجين البسيطة ملكة الذَّرَّات ختم مكون من حرفين (بروتون وإلكترون) لكنَّه ختم دوَّار ختم هو بداخله آية وطريقة عمله آية وطريقة دوران الإلكترون حول البروتون آية واهتزاز البروتون في مكانه آية والفضاء الواسع الذي يدور فيه الإلكترون حول البروتون آية إذا فآية الآيات مليئة بالآيات فأنَّى لك تصل إلى شكر الله على تلك الآيات التي لا حصر لها وتلك النِّعم التي لا إحاطة لك بكنهها {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} النَّحل: 18 وتأمَّل كيف ختمت الآية بالمغفرة والرَّحمة لعلم الله أنَّ الإنسان مهما بلغ من الاجتهاد في تقصِّي نعم الله عليه ليشكرها ويُؤدِّي حقَّها ما استطاع ولعجز فلو آخذه الله بتقصيره لعذَّبه لكنَّه أشفق عليه وأخبره بأنَّه غفورٌ رحيمٌ لأنَّ الأمر أكبر من أن يُدْرَك والنِّعم أكبر وأوسع من أن تُحْصَى بل الأعجب هو ما بعد تلك الآية {وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ} النَّحل: 19 ـ 21 والتي أثبت الله فيها أنَّه الخالق وأنَّ ما سواه لا قدرة لهم على الخلق. إذن فالذي يخلق هو الذي يملِك والمالِك الحقّ هو الخالق الحقّ .. تلك هي آيات الله إليك فانظر كيف تشكرها؟
قال الشَّاعر:
تَبَارَكَ مَنْ شُكْرُ الوَرَى عَنْهُ يَقْصُرُ = لِكَوْنِ أَيَادِيْ جُوْدِهِ لَيْسَ تُحْصَرُ
وَشَاكِرُهَا يَحْتَاجُ شُكْرًَا لِشُكْرِهَا = كَذَلِكَ شُكْرُ الشُّكْرِ يَحْتَاجُ يُشْكَرُ
فَفِيْ كُلِّ شُكْرِ نِعْمَةٌ بَعْدَ نِعْمَة = بغَيْر تَنَاءٍ دُوْنَهَا الشُّكْرُ يَصْغُرُ
فَمَنْ رَامَ يَقْضِيَ حَقَّ وَاجِبِ شُكْرهَا = تَحَمَّلَ ضِمْنَ الشُّكْرِ مَا هُو أَكْبَرُ
تُسَبِّحُهُ الحِيْتَانُ في الْمَا وفي الْفلاَ = وُحُوْشٌ وَطَيْرٌ في الهَوَاىِ مُسَخَّرُ
وَفي الفُلْكِ وَالأَمْلَاكِ كُلٌ مُسَبَّحٌ = نَهَارًَا وَلَيْلًا دَائِمًَا لَيْسَ يَفْتُرُ
تُسَبَّحُ كُلُّ الكَائِنَاتِ بِحَمْدِه = سَمَاءٌ وَأَرْضٌ وَالجِبَالُ وَأَبْحُرُ
جَمْيعًَا وَمَنْ فِيْهنَّ وَالكُلُّ خَاشِعٌ = لِهَيْبَتِهِ العُظْمَى وَلاَ يَتَكَبَّرُ