و كان الإمام الشافعي (ت 204 هـ) هو أول من تكلم عن ذلك في أصول الفقه والحديث نتيجة لسريان تلك المفاهيم في الحياة العلمية في زمانه، وكمل هو معلوم فإن الإمام الشافعي كان فقيهًا أصوليًا - أكثر منه محدثًا - إلاَّ أنه اعتمد الحديث وطريقة أهله في تقعيده لعلمي أصول الفقه وأصول الحديث، بعيدًا عن علم الكلام وتطبيقاته العملية، ونجده يحذر من علم الكلام وأهله، واشتهر عنه قوله:"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويحملوا على الإبل، ويطاف بهم في العشائر والقبائل، وينادى عليهم: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الرأي".
ولمَّا كان أصول الفقه الغرض منه وضع القواعد الكلية التي تستخرج بها الأحكام من أدلتها التفصيلية، وكانت السنة المطهرة هي المصدر الثاني لتلك الأدلة، فقد كان لعلماء الأصول عناية بالسنة النبوية من حيث معرفة طرقها وتعددها وما يترتب على ذلك من قوة الدليل وترجيح دليل على آخر فهم - علماء الأصول -أول من قسم الحديث إلى متواتر وآحاد، وقد شهد لهم بهذا علماء الحديث أنفسهم. [1]
و بما أن استنباط الأحكام عبر القواعد الأصولية يكون من مصدرين هما القرآن الكريم والسنة النبوية، فإذا وقع التشكيك في خبر الآحاد انهدم الأصل الثاني من أصول الاستنباط، فكان من منهج الأصوليين أن يتناولوا هذه القضية من خلال بحثهم في الأدلة، ولذلك طولوا أنفاسهم في طرق الرد على المنكرين [2]
فهذا الإمام الخطيب البغدادي ينقل في"الكفاية"تعريف الأصوليين للخبر، وتقسيمهم له إلى متواتر وآحاد، ويكاد يكون كلامه نقلًا لما ذكره الأصوليون، وقد أفصح عن ذلك الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في مقدمته فقال:"ومن المشهور: المتواتر الذي يذكره أهل الفقه وأصوله. وأهل الحديث لا يذكرونه باسمه الخاص المشعر بمعناه الخاص، وإن كان الخطيب قد ذكره ففي كلامه أنه اتبع فيه غير أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تشمله صناعتهم، ولا يكاد يوجد في رواياتهم"
وقال النووي - عند كلامه على الحديث المشهور:"ومنه المتواتر المعروف في الفقه وأصوله، ولا يذكره المحدثون ولا يكاد يوجد في رواياتهم" [3]
و قد استخدم الإمام الشافعي رحمه الله مصطلح"الآحاد"في (( الرسالة ) )تسع عشرة مرة بعبارة"خبر الواحد"واستعمله مرات في كتابه"اختلاف الحديث"وفي كتابه"جماع العلم"
(1) حُجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام. د. عبد الله بن عبد الرحمن الشريف ص 15 بتصرف
(2) حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام للدكتور محمد جميل ص 2
(3) حُجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام. د. عبد الله بن عبد الرحمن الشريف ص 17 بتصرف