قلتُ: وهذا يدل على وجوب تبليغ العلم ولو من واحد أو لواحد، وهذا يدل على أن خبر الواحد يفيد العلم ويقتضي وجوب العمل.
وقال شمس الأئمة السرخسي:"وفي هاتين الآيتين نهي لكل أحد عن الكتمان، وأمر بالبيان على ما هو الحكم في الجمع المضاف إلى الجماعة أنه يتناول كل واحد منهم، ولأن أخذ الميثاق من أصل الدين، والخطاب للجماعة بما هو أصل الدين يتناول كل واحد من الآحاد، ومن ضرورة توجه الأمر بالإظهار على كل واحد أمر السامع بالقبول منه والعمل به؛ إذ أمر الشارع لا يخلو من فائدة حميدة، ولا فائدة في النهي عن الكتمان والأمر بالبيان سوى هذا".
وقد اعترض على الاستدلال بهذه الآية بأمور منها:
1 -أن المراد منها تبليغ القرآن والخلاف في خبر الآحاد.
والجواب: أن السنة هي المبينة للقرآن والمكملة له، فهي من الدين الذي أمرنا بتبليغه، وكتمانها ككتمان القرآن، مع أن السنة أوحى الله تعالى بها إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما أوحى بالقرآن، كما قال الله تعالى:"وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى (3) إِن هُوَ إِلَّا وَحي يُوحَى" [النجم: 3 - 4] .
وقال حسان بن عطية"كان جبريل ينزل على النبي"بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن"."
2 -أن الوعيد في الآية على الكتمان، ولم تتعرض لحكم قبوله من الآحاد.
والجواب: أن الله قد أوجب على أهل العلم البيان وأوجب على أهل الجهل السؤال، ولا شك أن الوعيد يعم من كتم العلم ولو كان واحدًا
3 -أن المراد من الآية إظهار كل فرد علمه لينضم خبره إلى خبر غيره، وهكذا فيحصل التواتر.
والجواب: أنه لا دليل على هذا التأويل، بل التحريم يعم كل من كتم علمًا واحدًا أو أكثر. [1]
4 -قوله تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) (النحل:43)
(1) حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - عبد الله الشريف ص 68