ووجه الاستدلال: أن الصحابة رضي الله عنهم قبلوا خبر واحد، وتحولوا عن قبلة هي يقين عندهم إلى قبلة قد تكون في أول الأمر غير متحققة الثبوت، ومعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بأمرهم فأقرهم ولم ينكر عليهم. [1]
قال الشافعي:"أهل قباء أهل سابقة في الإسلام وفقه، وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالها، ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم به عليهم الحجة، ولم يَلْقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة، وانتقلوا بخبر الواحد من أهل الصدق من فرض كان عليهم، ولم يكونوا ليفعلوه بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله" [2]
واشتهر بعثه صلى الله عليه وسلم الآحاد من صحابته، واعتماده على أخبارهم وعمله بموجبها، ففي الصحيحين عن أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف، وفيه قال - صلى الله عليه وسلم: (واغد يا أنيس - لرجل من أسلم - إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها) ، فاعترفت فرجمها، فاعتمد صلى الله عليه وسلم خبره في اعترافها، مع ما فيه من إقامة حد، وقتل نفس مسلمة، وفي يوم الأحزاب اكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بخبر الزبير وهو واحد حين قال: (من يأتيني بخبر القوم؟) .
وتواتر عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يبعث الآحاد إلى الجهات القريبة والبعيدة ويحملهم أمور الدعوة والتبليغ وتعليم الناس أحكام الإسلام وشرائعه، والنيابة عنه في الفتوى والقضاء والفصل في الخصومات، فمن ذلك ما رواه الشافعي بإسناد صحيح عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت:"بينما نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جمل يقول: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد"، وحديث يزيد بن شيبان قال: كنا في موقف لنا بعرفة، بعيدًا عن موقف الإمام، فأتانا ابن مربع الأنصاري قال:"أنا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم، فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم"رواه الترمذي وغيره."
واشتهر أيضًا بعثه الأمراء في السرايا والبعوث، وأمره بطاعتهم فيما يخبرون عنه، وكذلك كتبه التي بعثها إلى الملوك في زمانه، كان يتولى كتابتها واحد، ويحملها شخص واحد غالبًا، كما بعث دحية الكلبي بكتابه إلى هرقل عظيم الروم، وعبد الله بن حذافة إلى كسرى.
(1) حجية خبر الآحاد في العقائد والأحكام - عبد الله الشريف ص 77
(2) الرسالة ص 407.