الصفحة 118 من 298

والصحيح أنَّها عاطفة متصلة، عادلت ما بعدها بما قبلها، فقد كان مضمون ما قبلها أنَّ كتاب الله حق لا شك فيه منزل من عند الله، وكان مضمون ما بعدها قول المشركين أنَّ هذا الكتاب كذب، وهو من اختلاق محمد صلى الله عليه وسلَّم، فهي مثل (أم) في قوله تعالى السابق في الشاهد التاسع: (وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَى مِن دُونِ اللّهِ وَلَكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ {37} أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ) {يونس: 37 - 38} التي قيل فيها بأنَّها عاطفة (( متصلة 000 والتقدير أيقرون به أم يقولون افتراه؟ ) ) [1] وهي كذلك في هذا الشاهد عاطفة متصلة والمعنى: أيقرون بأنَّ هذا الكتاب منزل من رب العالمين أم يقولون افتراه، والاستفهام مجازي أريد منه حمل المخاطبين على إنكار الأمر الثاني، وقد أريد منهم أيضًا أن يكون جوابهم هو الإقرار بالأمر الأول بتعيينه، وقد جاء قوله تعالى: (بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) ليكون هو الجواب المطلوب منهم، وهذا هو حال كل (أم) أجمعوا على أنَّها بمعنى (بل) أو بمعنى (بل) والهمزة، تستعمل عندما يراد منها مشاركة المخاطب في الحكم، وتستعمل (بل) عندما يراد منها التفرد في الحكم.

16 -قال الله تعالى: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ {27} أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الأرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) {ص: 27 - 28}

(( قال كفار قريش للمؤمنين إنَّا نُعطى في الآخرة ما تُعطون، فأنزل الله:(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا ) )) [2] فـ (أم) هنا إذن جاءت ردًّا على قول قيل، وقال الزمخشري: (((أم) منقطعة ومعنى الاستفهام فيها الإنكار، والمراد أنَّه لو بطل الجزاء كما يقول الكافرون لاستوت عند الله أحوال من أصلح وأفسد واتقى وفجر، ومن سوَّى بينهما كان سفيهًا ولم يكن حكيمًا ))

(1) الدر المصون 6/ 205.

(2) الوسيط في تفسير القرآن المجيد للواحدي 3/ 550.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت