الصفحة 126 من 298

محمدًا صلى الله عليه وسلم ليس بكاهن أو مجنون وليس هو بشاعر إلاَّ أنَّهم نسبوا إليه ما نسبوا؛ لصد الناس عنه وعن القرآن الذي يدعو الناس إليه.

وصفوة ما تقدَّم ذكره أنَّ (أم) لا تكون إلا عاطفة لأحد الشيئين متصلة بما قبلها بهذا العطف أينما وردت في كتاب الله، وأنَّه يجب البحث عن هذا الاتصال، لأنَّه لا بدَّ من وجوده على كل حال، لأنَّه حتى إذا أجمع النحاة والمفسرون على أنَّها منقطعة بمعنى (بل) والهمزة فلا بدَّ من أن تكون متصلة بما قبلها، وهذا ما يوجبه معنى إضراب (بل) نفسه، فالإضراب لا يكون إلاَّ إضرابًا عن كلام تقدَّمها، فيكون هذا الكلام نفسه هو الكلام الذي اتصلت به اتصال عطف لا اتصال إضراب، من ذلك مثلًا قوله تعالى: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الأنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لايَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ {42} أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ شُفَعَاء قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ) {الزمر: 42 - 43} فلا حجة هنا أن يقال إنَّ (أم) منقطعة، لأنَّ اتصالها بما قبلها غير ظاهر، لأنَّ إثبات عدم الاتصال لا يلغي كون (أم) متصلة عاطفة فحسب، بل يلغي أيضًا كونها منقطعة؛ لأنَّ انقطاعها جاء بإجماع النحاة والمفسرين من جعلها بمعنى (بل) والهمزة؛ و (بل) لا بد من أن تكون متصلة بما فبلها اتصال إضراب إبطالي أو انتقالي قال ابن عاشور: (((أم) منقطعة وهي للإضراب الانتقالي انتقالًا من تشنيع اشراكهم إلى إبطال معاذيرهم في شركهم، ذلك أنَّه لمَّا دمغتهم حجج القرآن باستحالة أن يكون لله شركاء تمحلوا تأويلًا لشركهم فقالوا (أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) {الزمر: 3} كما حكى عنهم في أول السورة، فلما استوفيت الحجج على إبطال الشرك أقبل هنا على إبطال تاويلهم منه ومعذرتهم، والاستفهام الذي تُشعر به (أم) في جميع مواقعها هو هنا للإنكار بمعنى أنَّ تأويلهم وعذرهم منكر كما كان المعتَذَر عنه منكرًا فلم يقضوا بهذه المعذرة وطرًا )) [1]

فـ (أم) هنا في الآية 43 من سورة الزمر عاطفة، متصلة بهذا العطف بما جاء في الآية الثالثة من السورة نفسها، والاستفهام في (أم) إنكاري والمراد منه إنكار مضمون ما جاء في هاتين الآيتين كما قال ابن عاشور وهو إنكار شركهم وإنكار اعتذارهم له.

(1) التحرير والتنوير 24/ 102.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت