به بصري آخر، فقد قال أبو عبيدة: (((أو) ها هنا ليس بشك، وهي في موضع آخر: بل يزيدون، وفي القرآن: (قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ) {الذاريات: 52} ليس بشك قالوهما جميعًا، فهي في موضع الواو التي للموالاة )) [1]
قال الفراء: (((أَوْ يَزِيدُونَ) أو: ها هنا في معنى بل، كذلك في التفسير مع صحته في العربية )) [2] وقال ابن قتيبة: (( وأمَّا قوله:(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) فإنَّ بعضهم يذهب إلى أنَّها بمعنى: بل يزيدون، على مذهب التدارك لكلام غلطتَ فيه، وكذلك قوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ) وقوله تعالى: (فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) وليس هذا كما تأولوا، وإنَّما هي بمعنى الواو في جميع هذه المواضع: وأرسلناه إلى مئة ألف ويزيدون، وما أمر الساعة إلاَّ كلمح البصر وهو أقرب، فكان قاب قوسين وأدنى )) [3] ومثل هذا قال ابن فارس [4]
وقال الأخفش: (((أَوْ يَزِيدُونَ) يقول: كانوا كذلك عندكم )) [5] وجعل (أو) بمعنى (بل) والواو مذهب نسبه النحاة إلى الكوفيين، وشاع أنَّ البصريين منعوه، فقد ردَّ المبرد هذا المذهب بقوله: (( فأمَّا قول الله عز وجل:(وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) فإنَّ قومًا من النحويين (يعني الكوفيين) يجعلون (أو) في هذا الموضع بمزلة (بل) ، وهذا فاسد عندنا من وجهين، أحدهما: أنَّ (أو) لو وقعت في هذا الموضع موقع (بل) لجاز أن تقع في غير هذا الموضع، وكنتَ تقول: ضربتُ زيدًا أو عمرًا، وما ضربتُ زيدًا أو عمرًا، على غير الشك، ولكن على معنى (بل) فهذا مردود عند جميعهم، والوجه الآخر: أنَّ (بل) لا تأتي في الواجب في كلام واحد إلاَّ للإضراب بعد غلط أو نسيان؛ وهذا منفي من الله عز وجل )) [6]
(1) مجاز القرآن ص 239 - 240.
(2) معاني القرآن 2/ 275.
(3) تأويل مشكل القرآن ص 290 - 291، وينظر: تفسير غريب القرآن له ص 375.
(4) ينظر: الصاحبي في فقه اللغة ص 88 - 90.
(5) معاني القرآن ص 273.
(6) المقتضب تحقيق هرون 3/ 304 - 305، وتحقيق بديع المجلد الثاني ص 251.