1 -جعل الباء بمعنى السببية أو التعليل: كقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) {البقرة: 54} وقوله تعالى: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) {آل عمران: 11}
قيل في الشاهد الثاني: (( والباء في(بِذُنُوبِهِمْ) يجوز أن تكون للسببية، أي: أخذهم بسبب ما اجترموا، وأن تكون للحال، أي: أخذهم ملتبسين بالذنوب غير تائبين )) [1]
ولا معنى للقول بجواز مجيئها لمعنى السببية أو الحالية أو المصاحبة، وغيرها من المعاني التي قيلت فيها؛ لأنَّها واحدة من حيث إنَّها جميعها لا تمثل المعنى الحقيقي للباء، بل هي من لوازم أصل معناها، وأنت ترى أنَّ جميع المعاني التي ذكرت للباء متأتية من إفادتها لمعنى الإلصاق الذي يُعدُّ أقرب المعاني إليها.
وقد ذكر الدكتور فاضل السامرائي أنَّ التعليل يُؤدَّى باللام، و (في) و (من) والباء كقوله تعالى: (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) {البقرة: 10} وقوله تعالى: (بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ) {البقرة: 88} والحقيقة أنَّ الباء للإلصاق، أمَّا إفادتها للتعليل فهو متأتٍّ من جهتين: من الإلصاق الذي يمثل أصل معناها، والسياق، والدكتور الفاضل يؤكد ذلك عندما يقول: (( إنَّ التعليل بالباء إنَّما هو بمقابل شيء حصل، تقول عاقبته بذنبه، فالعقاب مقابل الذنب الذي اقترفه صاحبه، وهو كأنَّه عوض عنه أو ثمن له جرى عليه بسببه قال تعالى:(بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ) فاللعنة مقابل الكفر، وقال تعالى: (وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ) فالعذاب مقابل كذبهم )) [2]
وهذه المقابلة التي ذكرها تعني الإلصاق، والإلصاق يقتضي تعلق شيء بشيء وارتباطه به، وهو إلصاق اللعنة بكفرهم، وإلصاق العذاب بكذبهم، فالتعليل من لوازم معنى الإلصاق حتى أمكن اختلاق معنى التعليل للباء في كل معانيها، فقد أجمعوا مثلا على القول
(1) الدر المصون 3/ 40.
(2) معاني النحو 3/ 76 - 77.