فهي تجري عند كل واحد منهم، هكذا ورد في الأثر، وقيل: هي عين في دار رسول الله، صلَّى الله عليه وسلَّم، تنفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين )) [1]
وقد ذكر النحاة أنَّ من معاني الباء: السببية والاستعانة، وهما من لوازم معنى الإلصاق وجعلوا من ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْل) {البقرة: 54} وقوله تعالى: (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا) {النساء: 160} وقوله تعالى: (وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ) {البقرة: 22} ونحو: لقيتُ بزيد الأسد، وقطعتُ اللحم بالسكين، وبريتُ القلم بالمبراة، وكتبتُ بالقلم [2] فقد أفادت الباء في هذه الشواهد معنى الوسيلة والواسطة الذي هو من لوازم معنى الإلصاق، وهذا ما أفادته ودلَّت عليه في قوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) {الإنسان: 6} فأهل الجنة، وهم في مواضعهم ومنازلهم من الجنة القريبين من العين والبعيدين منها، يتمتعون، كل في مكانه، بالشرب من ماء العين، ذلك بوساطة جداولها وسواقيها المتفرِّعة منها، والممتدة إلى كل بيت من بيوتها، اللهم اجعلنا وأهلينا وذرياتنا من أهلها.
وكذلك جعلوا الباء تبعيضية بمعنى (مِن) في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) {المائدة: 6} وهذا ما تطرقت إليه في كتابي: النصب على نزع الخاافض، وفيما يأتي نص ما كتبته هناك
(( قال أبو حيان الأندلسي: (( واختلفوا في مدلول الباء هنا، فقيل: إنَّها للإلصاق 000 وقيل الباء للتبعيض 000 وقيل الباء زائدة 000 وحكى سيبويه 000 مسحتُ رأسه وبرأسه في معنى واحد ) ) [3] ذهب النحاة والمفسرون إلى القول بأنَّ الجر والنصب معنييهما واحد، وقد كثر ما أكدوا هذا المذهب، وصرحوا به والصحيح، كما هو ظاهر من
(1) البحر المحيط 8/ 552
(2) ينظر: الأزهية في علم الحروف ص 297، ورصف المباني ص 222، والجنى الداني ص 39، ومغني اللبيب 1/ 103.
(3) البحر المحيط 3/ 609، وينظر: الدر المصون 3/ 693.