الصفحة 151 من 298

عقابهم عند الله أشد وأوسع، وهذا ما حصل، فقد كان عقاب من كفروا ربَّهم، هو استئصالهم من الوجود، وهو العقاب الذي حل بعاد وثمود، قال الله تعالى: (أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) {هود: 60} وقال تعالى: (أَلاَ إِنَّ ثَمُودَ كَفرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّثَمُودَ) {هود: 68} والجدير بالذكر أنَّ الفعل (كفر) لم يتعدَّ بنفسه إلى الرب تبارك وتعالى إلاَّ في هذين الموضعين، وفي حق هذين القومين، ولو أنَّهم كفروا بربهم لعوقبوا مثل ما عوقب غيرهم، لكنهم لمَّا كفروا ربهم محاهم عقاب الله ومحا نسلهم حتى سُموا العرب البائدة ))

والجدير بالذكر أنَّ النحاة ربطوا بين زيادة الباء والتوكيد، والتوكيد لو صح فهو متأت من معنى الإلصاق الذي أفادته الباء.

وما تقدم ذكره يُعدُّ ردًّا على ما أجمع عليه النحاة، وهو القول بالنصب على نزع الخافض، ودليلًا على بطلانه؛ لأنَّ النصب على نزع الخافض مبنيٌّ أولًا وآخرًا على أنَّ المنصوب والمجرور بمعنى واحد.

3 -جعل الباء تبعيضية بمعنى (مِن) : كقوله تعالى: (عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) {الإنسان: 6} ذكر النحاة كما تقدم أنَّ الباء في هذه الآية بمعنى (مِن) والتقدير: يشرب منها [1]

لا يصح أن تكون الباء بمعنى (مِن) لأنَّه ليس المراد التعامل مع العين مباشرة، فلم يرد في التفسير أنَّ كل أهل الجنة يلتقون ويجتمعون عند هذه العين ليشربوا منها؛ ففي تفسير قوله تعالى: (يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) {الإنسان: 6} قال الفراء: (( حيث ما أحب الرجل من أهل الجنة فجَّرها لنفسه ) ) [2] وقال الطبري: (( قوله:(يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا) يقول، تعالى ذكره: يفجرون تلك العين التي يشربون بها كيف شاؤوا، وحيث شاؤوا من منازلهم وقصورهم تفجيرًا، ويعني بالتفجير: الإسالة، والإجراء 000 يعدلونها حيث شاؤوا 000 ويصرفونها حيث شاؤوا )) [3] وقال أبو حيان: (( يفجرونها: يثقبونها بعود قصب ونحوه حيث شاؤوا،

(1) ينظر: الأزهية في علم الحروف ص 294 ومغني اللبيب 1/ 105

(2) معاني القرآن 3/ 107، وينظر: زاد المسير لابن الجوزي 8/ 167.

(3) جامع البيان 29/ 246 - 247.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت