الصفحة 150 من 298

على ذلك أيضًا حصر أمهاتهم باللائي ولدهنَّ باستعمال أداتي (إن) النافية و (إلاَّ) في قوله تعالى: (إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ)

وقد بيَّنت مثل هذا الفرق بين استعمال الباء وعدم استعمالها في لفظ الكفر في كتابي السابق: لا وجوه ولا نظائر، برقم 2 أي: الفرق بين استعمال الباء مثلًا في قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) {الرعد: 5} وعدم استعمالها في قوله تعالى: (أَلا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلاَ بُعْدًا لِّعَادٍ قَوْمِ هُودٍ) {هود: 60} وفيما يأتي نص ما ذكرته هناك: (( والأصل في الفعل(كفر) أنَّه يتعدى إلى مفعول واحد كقول الشاعر الذي تقدم ذكره:

يعلو طريقة متنها متواترًا ... في ليلة كفرَ النجومَ غمامُها

والفاعل هنا الغمام، أي: كفر الغمامُ النجومَ، وجاز إسناد الفعل إلى الله، وأن نقول: كفرَ اللهُ النجومَ بالغمام، وقد قلَّ وروده متعديًا إلى مفعوله بنفسه في القرآن الكريم 000 وجاء كثيرًا متعديًا إلى مفعوله بالباء كقوله تعالى: (بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أنَزَلَ اللّهُ) {لبقرة: 90 ْ} وقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ) {آل عمران: 4} وقوله تعالى: (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللّهِ وَبِرَسُولِهِ) {التوبة: 54} وقوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) {الأنعام: 1} وقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) {الرعد: 5} وقوله تعالى: (مَّثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ) {إبراهيم: 18} وكما أفاد الكفر معنى الستر والتغطية في نحو قولنا: كفر الفلاحُ الحبَّ بالتراب، فكذلك قوله تعالى: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ) إذ المعنى: كفروا بربهم بجحودهم إياه، أي: غطوا وستروا حقه بهذا الجحود 000 وما قلتُه هناك أقوله هنا، فاستعمال الباء في قوله تعالى: (ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ) يفيد مجرد إلصاق الكفر بالرب تبارك وتعالى، ومعنى الإلصاق كما قلت لا يتحقق معناه إلاَّ بوجود الملصق به، وهذا يعني أنَّ الكفر باستعمال الباء لا يشمل الكفر بالله بالكلية، بل ببعض صفاته كالتوحيد، وهكذا كان حال كثير من الأمم، فقد كانوا يؤمنون بوجود الله وبأنَّه خالقهم ورازقهم، لكنهم كانوا يشركون بالله في هذا الخلق والرزق، وعند حذف الباء ينتصب الرب تبارك وتعالى على معنى المفعولية، ويفيد عندئذٍ أنَّ كفر الكافرين اشتمل عليه واستوعبه، فيكون النصب أشد وأوسع كفرًا من الجر؛ لذلك استحق أصحابه أن يكون

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت