الصفحة 149 من 298

تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ {30} فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِّنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) {30 - 31} وقوله تعالى: (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلا اللائِي وَلَدْنَهُمْ) {المجادلة: 2} ثم أضفت إليهما فيما بعد موضعًا ثالثًا هو قوله تعالى: (فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ) {القلم: 47}

وقد قلتُ بالباء الزائدة في خبر (ما) النافية في كتابي المذكور اتباعًا لما أجمع عليه النحاة، وأنا هنا أتراجع عما قلته هناك بأنَّ الباء لم تستعمل للتوكيد، فربط خبر (ما) النافية بالباء لم يكن لتوكيد النفي، بل للإلصاق، وبين استعمالها وعدم استعمالها فرق واضح، فقوله تعالى: (مَا هَذَا بَشَرًا) يفيد استيعاب النفي لبشرية يوسف عليه السلام، واشتماله عليه، أي: نفي بشريته بالكلية، بمعنى إخراجه من جنس البشر من لدن النسوة اللائي رأينه، وأنَّه ليس له من البشر مثيل [1] لذلك عبروا عن هذا المعنى بأنَّ قصروه على أنَّه ملَك بـ (إن) النافية وأداة الحصر (إلاَّ) فقلنَ: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) ولو استعمل الباء وقيل: ما هذا ببشر، لانتفت الدلالة المذكورة وأفادت فقط إلصاق النفي ببشريته من دون أن تنقي بشريته بالكامل؛ لأنَّ الإلصاق لا يتحقق معناه إلاَّ بوجود الملصق به فيكون المعنى: أنَّه بشر لكنَّه لا يشبه البشر في جماله وحسنه؛ لذلك لو استعمل الباء وقال: ما هذا ببشر، لما ناسب أن يعقبه بقوله: (إِنْ هَذَا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ) لأنَّه باستعمال الباء لم يخرج من جنس البشر ليدخل في جنس الملائكة، وإنَّما خرج من بعض صفاته، وأنت ترى أنَّ معنى عدم استعمال الباء هو الملائم للسياق، الموافق لشدة إعجابهنَّ بجمالهنَّ حتى كبَّرْنَ أي: صِحْنَ: الله أكبر ورُحْنَ يُقَطِّعْنَ أيديهنَّ ولم يشعرن بالألم لاشتغالهنَّ وانبهارهنَّ بجماله حين رأينه، ونقول بإيجاز أنَّه لو استعمل الباء لأفاد نفي التشبيه، وجاءت الآية بعدم استعمالها لأنَّه أراد نفي المَثَلِيَّة.

وكذلك قوله تعالى: (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) فلو استعمل الباء وقيل: ما هنَّ بأمهاتهم، لأفاد نفي التشبيه، والمراد نفي المثلية، لذلك لم يستعمل الباء وقال: (مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ) والدليل

(1) قال العسكري: (( إنَّ الشيء يُشبَّه بالشيء من وجه واحد لا يكون مثله في الحقيقة إلاَّ إذا أشبهه من جميع الوجوه لذاته ) )الفروق اللغوية ص 176.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت