الصفحة 176 من 298

ونقل أبو حيان الأندلسي قول الزمخشري وقول ابن عطية ثُمَّ قال: (( وهذا الذي ذهب إليه ابن عطية من أن(ثُمَّ) للتوبيخ والزمخشري من أنَّ (ثُمَّ) للاستبعاد ليس بصحيح؛ لأنَّها لم توضع لذلك، وإنَّما التوبيخ أو الاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول (ثُمَّ) ، ولا أعلم أحدًا من النحويين ذكر ذلك بل (ثُمَّ) هنا للمهلة في الزمان، وهي عاطفة جملة اسمية على جملة اسمية )) [1] يعني على قوله تعالى: (( الْحَمْدُ لِلّهِ)

وقال الحلبي: (( قوله:(ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) (ثَمَّ) هذه ليست للترتيب الزماني، وإنَّما هي للتراخي بين المرتبتين )) [2] وما قاله أبو حيان: (( وإنَّما التوبيخ أو الاستبعاد مفهوم من سياق الكلام لا من مدلول(ثُمَّ ) )) يمثل عين الحقيقة والصواب، والظاهر أنَّ (ثُمَّ) للترتيب الزماني كما قال أبو حيان، لأنَّ الذين كفروا بربهم وعدلوا به غيره كان بعد خلق السماوات والأرض، وسواء كانت للتراخي في الزمان أو التراخي في المرتبة فهي في كلا الحالين عاطفة للترتيب على ما تقدمها، والفيروزآبادي نفسه عرَّف (ثُمَّ) بأنَّها تكون عاطفة للترتيب والتراخي في الزمان أو المرتبة.

2 -جعل (ثُمَّ) بمعنى (مع) في قوله تعالى: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {11} وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ {12} فَكُّ رَقَبَةٍ {13} أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ {14} يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ {15} أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ {16} ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) {البلد: 11 - 17} و (ثُمَّ) هنا عاطفة وليست بمعنى (مع) كما قال الفيروزآبادي، قال الزمخشري: (((ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) جاء بـ (ثُمَّ) لتراخي الإيمان وتباعده في الرتبة والفضيلة عن العتق والصدقة لا في الوقت؛ لأنَّ الإيمان هو السابق المُقدَّم على غيره، ولا يثبت عمل صالح إلاَّ به )) [3] وقال أبو حيان: (((ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) هذا معطوف على قوله: (فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ) ودخلت (ثُمَّ) لتراخي الإيمان والفضيلة لا للتراخي للزمان، لأنَّه لا بد أن يسبق تلك الأعمال الحسنة الإيمان؛ إذ هو شرط في صحة وقوعها من الطائع، أو يكون المعنى: ثم كان في عاقبة أمره من الذين وافوا الموت على الإيمان

(1) البحر المحيط 4/ 93.

(2) الدر المصون 4/ 524.

(3) الكشاف 4/ 745.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت