الصفحة 186 من 298

يتعدَّى بـ (على) قال تعالى: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الأقَاوِيلِ) {الحاقة: 44} وهذا الثاني أولى؛ فإنَّ التجوز في الأفعال أولى من التجوز في الحروف، وهو مذهب البصريين )) [1]

إذا جاز في (على) معنى (في) و (على) فلِمَ لا نبقي الحرف على بابه؟! كما أنَّه لو أراد معنى الظرفية لقال: في ملك سليمان، بل (على) هنا على معناها، ومن دون حاجة إلى التضمين المذكور، لأنَّ (تلا) في اللغة يتعدى أيضًا إلى مفعوله بـ (على) جاء في اللسان: (( وتَلِيَتْ عليه تُلاوة وتَلى ) ) [2] وفي التاج: (( وقوله تعالى: (( وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ) قال عطاء: أي: ما تُحدِّث به، وقيل: ما تتكلم به، ويقال: فلان يتلو على فلان ويقول عليه، أي: يكذب )) [3] والجدير بالذكر أنَّ الفعل (تلا) لم يرد في القرآن الكريم متعديًا إلى مفعوله بـ (في) إلاَّ في موضع واحد هو قوله تعالى: (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا) {الأحزاب: 34} بينما جاء تعديه إلى مفعوله بـ (على) في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) {البقرة: 129} وقوله تعالى: (كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهَا أُمَمٌ لِّتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِيَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ) {الرعد: 30} وقوله تعالى: (قُل لَّوْ شَاء اللّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلاَ أَدْرَاكُم بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِّن قَبْلِهِ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ) {يونس: 16}

وقالوا أيضًا بجعل (على) بمعني (في) في قوله تعالى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِّنْ أَهْلِهَا) {القصص: 15} والتقدير عندهم: في حين غفلة، لماذا وقد جاء تعدي (دخل) بـ (على) في القرآن الكريم في مواضع كثيرة كقوله تعالى: (كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا) {آل عمران: 37} وقوله تعالى: (وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ) {يوسف: 58} وقوله تعالى: (وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ) {الرعد: 23} فالحرف يُؤتى به للحاجة إلى دلالته بغض النظر عن الفعل الذي تعلق به، فالفعل (دخل) مثلًا وإن قيل: الأصل تعديه إلى مفعوله بـ (في) فهو لكثرة حاجته إلى معنى الظرفية، لكن إذا أراد من دونه إلى دلالة الاستعلاء عدَّى الفعل إليه بـ (على) كالشواهد

(1) الدر المصون 2/ 29.

(2) لسان العرب 2/ 236

(3) تاج العروس 37/ 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت