فأسباب النزول تضمنت أنَّ هناك من سأل أن يُعطى من الغنائم، والتعبير عن هذا المعنى يقتضي حذف (عن) وأن يقال: يسألونك الأنفال، كما جاء في القراءة الشاذة، وهناك من سأل عن أحكام الغنائم، وهذا المعنى يقتضي ذكر (عن) كما جاء في الآية، وهذا هو الغرض الراجح من سؤالهم أو هو الذي غُلِّب على سؤال العطية. فبعد أن ذكر ابن الجوزي ما قيل في سبب نزول آية الأنفال، بيَّن الغرض من ذكر (عن) ومن حذفها فقال: (( وفي(عن) قولان: أحدهما: أنَّها زائدة، والمعنى: يسألونك الأنفال، وكذلك قرأ سعد بن أبي وقاص، وابن مسعود وأبي بن كعب، وأبو العالية: يسألونك الأنفال، بحذف (عن) .
والثاني: أنَّها أصل، والمعنى: يسألونك عن الأنفال لمن هي؟ أو عن حكم الأنفال، وقد ذكرنا في سبب نزولها ما يتعلق بالقولين، وذُكِر أنَّهم إنَّما سألوا عن حكمها؛ لأنَّها كانت حرامًا على الأمم فبلهم )) [1]
فأنت ترى أن ابن الجوزي اختار أو رجح جعل (عن) غير زائدة، لأنَّ السؤال كان عن حكم الأنفال لا عن العطية، أمَّا قراءة من ذكرهم فهي قراءة شاذة، وقد جاء في الدر: (( وسأل: تارة تكون لاقتضاء معنى في نفس المسؤول فتتعدى بـ(عن) كهذه الآية، وكقول الشاعر:
سلي إن جهلتِ الناس عنَّا وعنهمُ فليس سواء عالم وجهول
وقد تكون لاقتضاء مال ونحوه فتتعدى لاثنين، نحو: سألتُ زيدًا مالًا، وقد ادَّعى بعضهم أنَّ السؤال هنا بهذا المعنى، وزعم أنَّ (عن) زائدة، والتقدير: يسألونك الأنفال، وأيَّد قوله بقراءة سعد بن أبي وقاص وابن مسعود 000 يسألونك الأنفال، دون (عن) والصحيح أنَّ هذه القراءة على إرادة حرف الجر )) [2]
وهذه القراءة شاذة كما قلتُ كما أنَّه حتى لو كانت صحيحة متواترة فإنَّها لا تكون حجة على زيادة (عن) لأنَّه سيكون ذكرها تعبيرًا عن المعنى الآخر وهو معنى العطية، لأنَّ قراءة الآية بقراءة أخرى لا تكون إلاَّ لإرادة معنى آخر، وقد بيَّنتُ الحكمة من تعدد القراءات التي من بينها الجمع بين معانيها [3]
(1) زاد المسير 3/ 242.
(2) الدر المصون 5/ 555.
(3) ينظر: كتابي: دروس إسلامية، الدرس الثاني: نزول القرآن على سبعة أحرف.