أمَّا عندما يُراد التأكيد على أنَّ حصول ما بعدها باشر حصول ما قبلها استعملت الفاء كقوله تعالى: (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنصَرَهُ بِالأمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) [القصص: 18] .
فحالة خوف موسى (( ) وحالة الاستنجاد به حصلتا في وقت واحد، ومن ذلك قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ) [الأنعام:44] ، والذي يؤيد هذه الإرادة في هذه الآية لفظة (بغتة) ، وقوله تعالى: (فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ * وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاء لِلنَّاظِرِينَ) [الأعراف: 107 - 108] ، والمعروف في كتب التفاسير أنَّ العصا تحولت إلى ثعبان حال إلقائها، والثعبان المبين: الحية الذكر، فتحولت حية عظيمة فاغرة فاها مسرعة إلى فرعون، فلما رآها أنها قاصدة إليه، تحول عن سريره واستغاث بموسى أنْ يكفها عنه [1] ، وقد تم حصول إلقاء العصا وتحولها إلى أفعى، ونزع يده وبياضها، في وقت واحد ومقام واحد، ومثل ذلك قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) [الأعراف:117] ، وقوله تعالى: (قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى) [طه: 66] وقوله تعالى: (وَآيَةٌ لَّهُمْ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظْلِمُونَ) [يس:37] ، فالليل يعقب النهار ومتصل به.
لذلك كثر اقتران (إذا) الفجائية بالفاء في مشاهد يوم القيامة لشدة أهوالها واتصال كرباتها، كقوله تعالى: (وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا) [الأنبياء: 97] وقوله تعالى: (إِن كَانَتْ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ) [يس: 29] وقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الأجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ) [يس: 51] وقوله تعالى: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الأرْضِ إِلا مَن شَاء اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُم قِيَامٌ يَنظُرُونَ) [الزمر: 68] ، وقوله تعالى: (فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ) [النازعات: 13 - 14] ))
2 -جعل الفاء بمعنى (ثُمَّ) : قالوا بمجيء الفاء بمعنى (ثُمَّ) في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَتُصْبِحُ الأرْضُ مُخْضَرَّةً) {الحج: 63} قال ابن عطية: (( والفاء عاطفة 000 روي عن عكرمة أنَّه قال: هذا لا يكون إلاَّ بمكة وتهامة، ومعنى هذا أنَّه أخذ
(1) ينظر: تفسير القرآن العظيم لابن كثير 2/ 236.