الصفحة 207 من 298

قوله (فَتُصْبِحُ) مقصودًا به صبح ليلة المطر، وذهب إلى أنَّ ذلك الاخضرار في سائر البلاد يتأخَّر، وقد شاهدتُ هذا في السوس الأقصى، نزل المطر بعد قحط، وأصبحت تلك الأرض التي تسفيها الرياح قد اخضرت بنبات ضعيف دقيق )) [1] وقال الحلبي: (( قوله:(فَتُصْبِحُ) استدل به بعضهم على أنَّ الفاء لا تقتضي التعقيب قال: لأنَّ اخضرارها متراخ عن إنزال الماء، هذا بالمشاهدة، وقد أجيب على ذلك بما نقله عكرمة من أنَّ أرض مكة وتهامة على ما ذُكر، وأنَّها تمطر الليلة فتصبح الأرض غدوة خضرة، قال ابن عطية 000 وقيل: تراخي كل شيء بحسبه، وقيل: ثَمَّ جمل محذوفة قبل الفاء تقديره: فتهتزٌّ وتربو وتنبت فتصبح، يبين ذلك قوله تعالى: (وَتَرَى الأرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ) {الحج: 5} وهذا من الحذف الذي يدل عليه فحوى الكلام، كقوله تعالى: (فَأَرْسِلُونِ {45} يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ) {يوسف: 45 - 46} )) [2] وقال الكفوي: (( والتعقيب في الفاء حسب ما بعد في العادة عقيب الأول، وإن كان بينهما أزمان كثيرة، كقوله تعالى:(ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) {المؤمنون: 14} )) [3]

3 -جعلها بمعنى الواو: قالوا بمجيئها بمعنى الواو في قوله تعالى: (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ) {الأعراف: 4} وهذا ما قال به الفراء [4] والصحيح أنَّ الفاء على بابها وهي هنا من باب عطف المفصل على المجمل [5] ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: (فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) {النساء: 153} لأنَّ (( الترتيب بالفاء على ضربين: ترتيب في المعنى، وترتيب في الذكر، والمراد بالترتيب في المعنى أن يكون المعطوف بها لاحقًا متصلًا بلا مهلة كقوله تعالى:(الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) {الانفطار: 7} وأمَّا الترتيب في الذكر فنوعان: أحدهما عطف مفصل على مجمل، هو هو في المعنى، كقولك: توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح برأسه ورجليه، ومنه قوله

(1) المحرر الوجيز 4/ 131.

(2) الدر المصون 8/ 301.

(3) الكليات ص 571.

(4) ينظر: معاني القرآن 1/ 250.

(5) ينظر: شرح كافية ابن الحاجب 4/ 408 والجنى الداني 62 وهمع الهوامع 3/ 192.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت