فاستعمل (في) إذن من دون (بعد) لأنَّه أراد فصاله في أثناء عامين لا بعد عامين قال ابن عاشور: (( وذكر لمدة فطامه أقصاها وهو عامان؛ لأنَّ ذلك أنسب بالترفيق على الأم، وأشير إلى أنَّه قد يكون الفطام فبل العامين بحرف الظرفية؛ لأنَّ الظرفية تصدق مع استيعاب المظروف جميع الظرف ) ) [1]
7 -جعلها بمعنى (مع) : كقوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ) {العنكبوت: 9} يعني مع الصالحين في الجنة، والصحيح أنَّها على بابها في هذا الموضع، ولو أراد معنى المعية لاستعمل (مع) وقال: لندخلنهم مع الصالحين، كما استعملها في قوله تعالى: (وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ) {يوسف: 36} ولأنَّ القرآن ما عبَّر عن المعانى إلاَّ بألفاظها، فقد يجمع بينها في التركيب نفسه كقوله تعالى: (وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) {النمل: 19} فـ (في) تفيد معنى الدخول في الشيء، والباء تفيد الإلصاق التي من لوازمه معنى الواسطة والسببية، فيكون المعنى أدخلني بوساطة رحمتك في عباد الله الصالحين، وهذا يدل على أنَّ مرتبة الصالحين أعلى من مرتبة المرحومين.
والجدير بالذكر أنَّ المعاني المذكورة: (عند) و (مع) و (بعد) تشترك جميعها مع (في) في معنى الظرفية، وهذا يعني أنَّ هذه المواضع جاز في جميعها معنى (في) فإذا جاز فيها معنى (في) فلِمَ نجعلها بمعاني غيرها، لو لم تكن هناك نية اختلاق الأوجه والمعاني؟ و (في) أشد إيغالًا وتمكنًا من الظرفية من تلك التي جعلت بمعانيها، ولمَّا كان المراد هذا المعنى استعملت من دونها.
8 -جعلها بمعنى (على) : كقوله تعالى: (وَلاصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) {طه: 71} أي: على جذوع النخل.
كان جَعْلُ (في) بمعنى (على) في قوله تعالى: (وَلاصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) {طه: 71} أحد شواهد التضمين التي درستها في كتابي: النصب على نزع الخافض: وإليك نص ما قلته هناك: (( قال مقاتل، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، والمبرد: (( أي: على جذوع
(1) التحرير والتنوير 21/ 104.