الصفحة 216 من 298

وكذلك جعلوها بمعنى (مِن) في قوله تعالى: (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِم مِّنْ أَنفُسِهِمْ) {النحل: 89} والصحيح أنَّها على بابها؛ لأنَّه أريد معنى الظرفية الزمانية والمكانية المجازية؛ والمعنى: (( نبيًّا يشهد لهم وعليهم بالتصديق والتكذيب والإيمان والكفر ) ) [1] كما قال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا) {القصص: 59} فكما بعث فيهم في الدنيا رسولًا لينذرهم ويبشرهم بعثه فيهم في الآخرة ليشهد لهم أوعليهم

5 -جعلها بمعنى (عند) : كقوله تعالى: (وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) {الشعراء: 18} واستعمال (في) من دون (عند) هو المناسب للمقام في هذه الآية؛ لأنَّ فرعون أراد أن يقول لموسى عليه السلام: إنَّك نشأت وترعرعت في بيتنا وملكنا، وتمكنتَ من العيش فيه.

وكذلك جعلوها بمعنى (عند) في قوله تعالى: (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ) {الكهف: 86} والمراد بالعين المحيط الأطلسي فـ (في) هنا أيضًا على بابها، فمعناها هو المعنى المراد؛ لأنَّ هذا ما رآه في نظره أنَّ الشمس دخلت عند غروبها في مياه هذا المحيط.

6 -جعلها بمعنى (بعد) : كقوله تعالى: (وَوَصَّيْنَا الأنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ) {لقمان: 14} والصحيح أنَّها على بابها؛ لأنَّ المراد أنَّها لم تزل معه ترعاه وتسهر على تربيته خلال عامين حتى فصلته، ولو قال: بعد عامين لما تعيَّن هذا المعنى، بل لاحتمل تركه من دون رعاية ثم جاءت إليه بعد عامين لتفصله، كما أنَّ في استعمال (بعد) تحديد للمدة التي يتم في نهايتها فصل الرضيع، والآية ليست في سياق تحديد هذه المدة، أي: هي ليست لبيان قضية شرعية، فجعل (في) إذن بمعنى (بعد) تحريف لمعنى السياق، كما أنَّ فيه تعارضًا لما شرعه الله في قوله تعالى: (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلاَدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) {البقرة: 233} جاء في الجامع لأحكام القرآن للقرطبي: (( وقوله تعالى:(لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) دليل على أنَّ إرضاع الحولين ليس حتمًا فإنَّه يجوز الفطام قبل الحولين )) [2]

(1) مدارك التنزيل ص 605.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت