عنهم (وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ) {الرعد: 13} فلم يستعمل (عن) لأنَّه ليس المعنى الدفاع عن الله سبحانه وتعالى، بل المعنى المجادلة في ذات الله وصفاته وأفعاله، ومن ذلك قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ) {الحج: 3} والذي يتبع كل شيطان مريد لا يجادل عن الله بل يجادل فيه، وقوله تعالى: (مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلادِ) {غافر: 4} وكذلك الذين كفروا لا يجادلون عن آيات الله بل يجادلون فيها الجدال الباطل
4 -بمعنى مِن: كقوله تعالى: (أَلا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ) {النمل: 25} قال الفراء: (( صلحت(في) مكان (مِن) لأنَّك تقول: لأستخرجن العلم فيكم منكم، ثم تحذف أيّهما شئت، أعني (مِن) و (في) فيكون المعنى قائمًا على حاله )) [1] وقال الحلبي: (( قوله(فِي السَّمَاوَاتِ) فيه وجهان: أحدهما أنَّه متعلق بـ (الْخَبْءَ) أي: المخبوء في السماوات، والثاني: أنَّه متعلق بـ (يُخْرِجُ) على أنَّ معنى (في) معنى (مِن) أي: يخرجه من السماوات، وهو قول الفراء )) [2] وقد تقدم قول الفراء الذي أجاز استعمال أيٍّ من الحرفين، وكيف يصح أن ندعي أنَّ (في) بمعنى (مِن) مع إقرارنا وتأكيدنا أنَّ معنى أحدهما يختلف عن معنى الثاني حتى أدَّى هذا الاختلاف المعنوي إلى اختلاف ما تعلقا به؟! فقد صرَّح الحلبي بأنَّ استعمال (في) اقتضي إرادة الوجه الأول فيا ليت شعري لِمَ أجزنا معه إرادة الوجه الثاني؟! فإذا صح ما قاله الحلبي كان الوجه الأول هو الوجه المراد من دون الثاني، والدليل على ذلك أنَّه استعمل (في) ولم يستعمل (مِن) .
وأريد في هذا المقام أنَّ أخاطب العقلاء من الباحثين والدارسين وأسألهم: أيهما الطريق الأولى والأحق والواجب اتباعه هنا أن نبقي الحرف على معناه ثم نقول بالوجه الذي اقتضاه أم نجعله بمعنى حرف آخر ثم نقول بالوجه الذي اقتضاه معنى الحرف الآخر؟! لِمَ نقول بالتأويل القائم على معنى حرف غير مذكور ونترك التأويل القائم على معنى حرف مذكور؟! يا سبحان الله لِمَ نسلك الطريق الأعوج والأبعد، ونترك سلوك الطريق المستقيم والأقرب؟!
(1) معاني القرآن 2/ 185.
(2) الدر المصون 8/ 605.