الآية الكريمة بـ (في ) ) ) [1] لذلك ردَّ السيوطي هذا الوجه وقال في باب (عن) : (( ورُدَّ بأنَّ تعدية(ونى) بـ (عن) معروف، وفُرِّق بين: ونى عنه، وونى فيه، بأنَّ معنى الأول جاوزه ولم يدخل فيه، والثاني دخل فيه وفتر )) [2]
وكذلك جعلوها بمعنى (عن) في قوله تعالى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْماء سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَآؤكُم مَّا نَزَّلَ اللّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ) {الأعراف: 71} والتقدير: عن أسماء، والصحيح أنَّ (في) هنا على بابها، بل (عن) ليس هذا مكانها؛ فـ (عن) تفيد معنى المجاوزة فإذا قلتَ: جادلتُ عن زيد، فقد جعلت المجادلة تتجاوزه؛ فلم يجادل هو عن نفسه، بل أنت جادلتَ عنه فيكون بمعنى: دافعتُ عنه، وإذا قلتَ: جادلت فيه، كان المعنى أنَّك جادلت في أمره، ما له وما عليه، وهذا هو المعنى المراد في قوله تعالى: (أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْماء سَمَّيْتُمُوهَا) أي: في حقيقة هذه الأسماء التي هي أسماء باطلة لا واقع لها ولا سند على صحتها، وقد ورد فعل المجادلة في القرآن الكريم متعديًا بهذين الحرفين فجاء متعديًا بـ (في) في مواضع؛ لإرادة المعنى الأول، ومتعديًا بـ (عن) في مواضع؛ لإرادة المعنى الثاني، فمن شواهد الأول قوله تعالى: (وَلاَ تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا) {النساء: 107} بمعنى: لا تدافع عن الخائنين، وقوله تعالى: (هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) {النساء: 109} ولا شك في أنَّ المراد من المجادلة عنهم الدفاع عنهم، وقوله تعالى: (يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا) {النحل: 111} والمعنى تدافع عن نفسها لتنجو، واستعمل (في) لإرادة المعنى الثاني حتى إنَّه لا يصح جعلها بمعنى (عن) كقوله تعالى: (كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ {5} يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ) {الأنفال: 5 - 6} والسياق كما ترى سياق لوم؛ لأنَّه ليس المراد الدفاع عن الحق، بل المجادلة فيه، وقوله تعالى: (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ) {هود: 74} فلم يستعمل (عن) لأنَّ ابراهيم عليه السلام لم يدافع عن قوم لوط، وإنّما جادل الرسل في شأنهم وأمرهم لعله أن يجد وجهًا لتأخير العذاب
(1) الدر المصون 8/ 41.
(2) همع الهوامع 2/ 444.