الصفحة 213 من 298

3 -بمعنى عن: كقوله تعالى: (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) {الإسراء: 72} هذا المعنى الذي قيل يجب أن يُتحقق منه؛ لأنَّه لو أراده لاستعمل (عن) لتعبر عنه لا (في) هذا هو المنهج الصحيح والسليم في دراسة كتاب الله وتفسيره، وهو أن نبقي الحرف على بابه، ثم نفسر الشاهد استنادًا إلى معناه من دون تأويله بمعنى حرف آخر، قال الطبري في تفسير هذه الآية: (( اختلف أهل التأويل في المعنى الذي أشير إليه بقوله(هذه) فقال بعضهم: أشير بذلك إلى النعم التي عددها تعالى ذكره 000: من عمي عن شكر هذه النعم 000 وقال آخرون: بل معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن قدرة الله فيها وحججه فهو في الآخرة أعمى )) [1]

ونقل التأويل الأول عن محمد بن أبي موسى فحسب، بينما نقل التأويل الثاني عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، ثم قال: (( وأولى الأقوال في ذلك عندى بالصواب قول من قال: معنى ذلك: ومن كان في هذه الدنيا أعمى عن حجج الله على أنَّه المنفرد بخلقها وتدبيرها وتصريف ما فيها فهو في أمر الآخرة التي لم يرها ولم يعاينها 000 أعمى وأضل سبيلًا ) ) [2] فيكون المنهج الصحيح الذي يجب اتباعه هنا وفي كل موضع أن يقال: إنَّه لو أراد التأويل الأول لاستعمل (عن) لكن لمَّا استعمل (في) دلَّ على أنَّه أراد التأويل الثاني.

وقال الزركشي: (( وبمعنى(عن) كقوله تعالى: (فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى) {الإسراء: 72} قيل: لمَّا نزلت: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا) {الإسراء: 70} لم يسمعوا ولم يصدقوا فنزل: (وَمَن كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا) أي: عن النعيم الذي قلناه ووصفناه في الدنيا، فهو عن نعيم الآخرة أعمى؛ إذ لم يصدق )) [3]

وكذلك جعلوها بمعنى (عن) في قوله تعالى: (اذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلا تَنِيَا فِي ذِكْرِي) {طه: 42} ولا معنى لهذا الوجه؛ لأنَّ (تَنِيَا) من ونى و (( هذا الفعل يتعدى تارة بـ(عن) وتارة بـ (في) يقال: ما ونيتُ عن حاجتك أو في حاجتك 000 وقد عُدِّي في

(1) جامع البيان 15/ 147 - 148.

(2) جامع البيان 15/ 148 - 149.

(3) البرهان ص 855.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت