لم أجد في كتب التفسير واللغة من ردَّ هذا الوجه في هذه الآية بالنفي بل هناك من صرح بأنَّ التقدير: فتهاجروا إليها [1] وجاز استعمال (إلى) لو قيل مثلًا في الكلام: ألم تكن أرض الشام واسعة فتهاجروا إليها، لكن لمَّا قال: أرض الله، فالأرض كلها أرض الله، والصحيح أنَّها في الآية على بابها، وجعلها بمعنى (إلى) خلاف المعنى المراد بل لا يصح؛ لأنَّه يقتضي أن يكون المخاطبون يسكنون كوكبًا غير الأرض، بيد أنَّ الخطاب موجه إلى من هم في الأرض، والمراد أن تكون هجرتهم داخلها، أي: فيها لا إليها، فلو خاطبت أناسًا مثلًا بقولك: ألم تكن أرض العراق واسعة فتهاجروا إليها، لاقتضى أن يكون المخاطبون خارج العراق، وأنت تأمرهم بالهجرة إليه، ولو خاطبتهم بقولك: ألم تكن أرض العراق واسعة فتهاجروا فيها، لاقتضى أن يكون المخاطبون داخل العراق، وأنت تأمرهم أن تكون هجرتهم فيه، ذلك بالانتقال من بلد عراقي غير آمن إلى بلد عراقي آخر آمن.
وكذلك جعلوها بمعنى (إلى) في قوله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) {إبراهيم: 9} قال أبو عبيدة: (( يقال: ردَّ يده في فمه، أي: أمسك إذا لم يجب ) ) [2] وقال ابن قتيبة: (( والمعنى: ردوا أيديهم في أفواههم، أي: عضوا عليها حنقًا وغيظًا، يعني أنَّهم يغيضون الحسود حتى يعض على أصابعه العشر ) ) [3] وقال المالقي: (( فمن ذلك مجيئها بمعنى(إلى) كقولك: رددتُ يدي في فيَّ قال الله تعالى: (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ) {إبراهيم: 9} أي: إلى أفواههم؛ لأنَّ ردَّ يتعدَّى بـ (إلى) 000 لكن إذا تحققت هذا فالمعنى: أنَّهم إذا ردوا أيديهم إلى أفواههم، فقد أدخلوها فيها )) [4]
وكذلك جعلوها بمعنى (إلى) في قوله تعالى: (وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الأرْضِ نَبَاتًا {17} ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا) {نوح: 17 - 18} والصحيح أنَّ (في) على بابها، لأنَّ المعنى: تكونون في الأرض حين تموتون فتقبرون ثم تصيرون ترابًا.
(1) ينظر: الوسيط في تفسير القرآن المجيد 2/ 105، وزاد المسير 2/ 106 وأنوار التنزيل 2/ 92.
(2) مجاز القرآن ص 129.
(3) تفسير غريب القرآن ص 230.
(4) رصف المباني ص 451.