عن هذا المعنى المراد؛ لكونها تفيد معنى الدخول في الشيء، فلكل حرف في اللغة معناه المستقل عن غيره، والقرآن الكريم ما عبَّر عن المعاني إلاَّ بألفاظها الخاصة بها.
9 -المقايسة: وهي الداخلة بين مفضول سابق وفاضل لاحق كقوله تعالى: (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ) {التوبة: 38} والمقايسة هي دلالة السياق وليست دلالة (في) لأنَّ (( المعنى: فما متاع الحياة محسوبًا في الآخرة ) ) [1]
10 -زائدة للتوكيد: كقوله تعالى: (وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) {هود: 41}
المنهج الصحيح والسليم أن يُفسَّر الحرف بجعله على بابه؛ لأنَّه لو لم يكن قد أريد منه معناه الموضوع له في اللغة لما استعمل لفظه المعبر عنه؛ لذلك قلما تجد حرفًا جُعل زائدًا للتوكيد، أو بمعنى حرف آخر، إلاَّ وهناك من وجد بعد التحقيق والدراسة لمعناه الأصلي وجهًا، ورجحه على الوجه الدخيل وعلى القول بالزيادة، من ذلك ما قاله الحلبي في هذه الآية: (( و(فيها) متعلق بـ (ارْكَبُوا) وعدِّي بـ (في) لتضمنه معنى: ادخلوا فيها راكبين، أو سيروا فيها، وقيل تقديره: اركبوا الماء فيها، وقيل: (في) زائدة للتوكيد )) [2] فقد بيَّن أنَّ (في) على بابها وأشار إلى وجه الزيادة بصيغة التضعيف: قيل، ولا حاجة إلى التضمين وإلى كل هذه التقديرات؛ فقد استعملت (في) في موضعها، ولا يشك في ذلك ويقول بزيادتها إلاَّ جاهل ومقلد، لأنَك تقول: ركبتُ الدابة، ولا تقول: ركبتُ في الدابة، لأنَّ الدابة إذ ركبتها لا تكون ظرفًا لك، بل تعتليها وتحتويها ولا تحتويك؛ لذلك لم يتعدَّ ركوبها بـ (في) في قوله تعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) {النحل: 8} إلاَّ أنَّك جاز أن تقول: ركبتُ في السيارة؛ لأنَّ السيارة إذا ركبتها تحتويك وتكون ظرفًا لك، وكذلك جاز أن تقول: ركبتُ في السفينة، فاستعمل (في) في قوله تعالى: (ارْكَبُوا فِيهَا) لأنَّ المعنى: اركبوا السفينة لتحتويكم؛ لتكونوا آمنين باحتوائها لكم من الطوفان، وليس من المناسب أن يقال: اركبوها، لأنَّ المركوب في هذا المقام كان أكبر وأوسع من أن يشتمل عليه الراكبون، فالفلك تكون عادة ظرفًا لمن يركبها وتحتويه ولا يحتويها؛ لذلك
(1) الدر المصون 6/ 51.
(2) الدر المصون 6/ 342.