الصفحة 226 من 298

وهذه هي الحقيقة؛ لأنّه إذا قيل مثلًا: الكذوب لم ولن يصدق أبدًا، والبخيل لم ولن يجود أبدًا، فيجيبه أهل العلم ممن عاشروا الصنفين وتعاملوا معهما، كلا بل قد يصدق الكذوب، وقد يجود البخيل، فـ (قد) في المثالين هي للتحقيق بمعنى أنَّ وقوع الصدق من الكذوب محقق حصوله، وأنَّ وقوع الجود من البخيل محقق حصوله أيضًا، أي: لا بدَّ من أن تكون في صحف الكذوب صحيفة أو صحيفتان أو بضعة منها هي صحف صدق، وكذلك البخيل، فأنت تستعمل (قد) لتأكيد وجود هذه الصحف بين صحفه، وأنَّ معنى التقليل كما ذكر جاء من مفهوم السياق لا من دلالة (قد) .

4 -جعل (قد) بمعنى التكثير: جعلوا من ذلك (قد) في قوله تعالى: (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء) {البقرة: 144} قال الزمخشري: (((قَدْ نَرَى) ربَّما نرى، ومعناه كثرة الرؤية )) [1] و (قد) في الآية للتحقيق وليست للكثرة، لأنَّ معنى الكثرة متأتّ من مفهوم السياق وليس من (قد) عقَّب أبو حيان على قول الزمخشري فقال: (( وشرحه هذا على معنى التحقيق متضادٌّ؛ لأنَّه شرح(قَدْ نَرَى) بـ (ربَّما نرى) و (ربَّ) على مذهب المحققين من النحويين إنَّما تكون لقليل الشيء في نفسه أو لتقليل نظيره، ثم قال: ومعناه كثرة الرؤية، فهو مضادٌّ لمدلول (رُبَّ) على مذهب الجمهور، ثم هذا المعنى الذي ادعاه، وهو كثير الرؤية لا يدل عليه اللفظ؛ لأنَّه لم يوضع لمعنى الكثؤة، هذا التركيب، أعني تركيب (قد) مع المضارع المراد منه المضي أو غير المضي، وإنَّما فهمت الكثرة من متعلق الرؤية، وهو التقلب؛ لأنَّ من رفع بصره إلى السماء مرة واحدة لا يقال فيه: قلَّب بصره إلى السماء، وإنَّما يقال: قلَّب إذا ردَّد، فالتكثير إنَّما فُهم من التقلب )) [2]

وقد جعل (قد) أيضًا بمعنى التكثير في قوله: (قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ) {النور: 64} فقال: (( أدخل(قد) ليؤكد علمه بما هم عليه من المخالفة عن الدين والنفاق 000 وذلك أنَّ (قد) إذا دخلت على المضارع كانت بمعنى (رُبَّما) فوافقت (رُبَّما) في خروجها إلى معنى التكثير )) [3] ونقل أبو حيان الأندلسي قوله، وقال: (( وكون(قد) إذا دخلت على المضارع

(1) الكشاف 1/ 200.

(2) البحر المحيط 1/ 612 وينظر الدر المصون 2/ 159 - 160.

(3) الكشاف 3/ 255.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت