التوقع في الدر المصون قال في العمدة: (( وتكون(قد) حرف توقع وتقليل بحسب القرائن، وإذا دخل على المضارع أفاد التقليل غالبًا إلاَّ في أفعال البارئ تعالى، فتكون للتحقيق )) [1]
3 -جعل (قد) بمعنى التقليل: شاع بين الدارسين وفي كتب النحو أنَّ (قد) إذا دخلت على الفعل الماضي أفادت التحقيق، وإذا دخلت على الفعل المضارع أفادت التقليل، حتى نُسٍب إلى أبي حيان الأندلسي قوله: (( والذي تلقَّنَّاه من أفواه الشيوخ بالأندلس أنَّها حرف تحقيق إذا دخلت على الماضي، وحرف توقع إذا دخلت على المستقبل ) ) [2]
والذي يظهر لي أنَّ (قد) للتحقيق سواء دخلت على المضارع أو على الماضي، قال المرادي: (( التقليل وترد للدلالة عليه مع المضارع نحو: إنَّ البخيل قد يجود، وقال ابن إياز يفيد مع المستقبل التقليل في وقوعه أو في متعلقه كقولك: قد يفعل زيد كذا، أي: ليس ذلك منه الكثير، والثاني كقوله تعالى:(قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ) {النور: 64} والمعنى، والله عز اسمه أعلم: أقل معلوماته ما أنتم عليه، قلتُ: والظاهر أنَّ (قد) في هذه الآية للتحقيق، كما ذكر غيره، ونازع بعضهم في إفادة (قد) للتقليل فقال: قد تدلُّ على توقع الفعل ممن أُسند إليه، وتقليل المعنى لم يُستفَد من (قد) بل لو قيل: البخيل يجود، فُهِم منه التقليل؛ لأنَّ الحكم على من شأنه البخل بالجود، إن لم يحمل على صدور ذلك قليلًا كان الكلام كذبًا؛ لأنَّ آخره يدفع أوله )) [3] وقال ابن هشام: (( التقليل: وهو ضربان: تقليل وقوع الفعل نحو: قد يصدق الكذوب، وقد يجود البخيل، وتقليل متعلقه نحو: قوله تعالى:(قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ) {النور: 64} أي: ما هم عليه هو أقل معلوماته سبحانه، وزعم بعضهم أنَّها في هذه الأمثلة ونحوها للتحقيق، وأنَّ التقليل في المثالين الأولين لم يُستفَد من (قد) بل من قولك: البخيل يجود، والكذوب يصدق؛ فإنَّه إن لم يُحمَل على أنَّ صدور ذلك منهما قليل كان فاسدًا؛ إذ آخر الكلام ينقض أوله )) [4]
(1) عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ 3/ 275.
(2) الجنى الداني ص 255.
(3) الجنى الداني ص 257 - 258.
(4) مغني اللبيب 1/ 174.