الصفحة 258 من 298

يَرْحَمَكُمْ) {الإسراء: 8} هذه وإن كانت في الأصل للترجي فهي هنا للإيجاب، كأنَّه قيل: ربكم يرحمكم 000 لأنَّ ذلك محال في حق الباري تعالى، وأمَّا الحذاق فقد قالوا: هما على بابهما، ولكن ليس بالنسبة إلى الباري تعالى بل إلى الناس فقالوا في قوله تعالى: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ) أي: اذهبا إليه على الرجاء والطمع منكما في ذلك )) [1] وقال الزركشي: (( تجيء لمعان، الأول: للترجي في المحبوب، نحو: لعل الله يغفر لنا، وللإشفاق في المكروه، نحو: لعل الله يغفر للعاصي، ثم وردت في كلام من يستحيل عليه الوصفان؛ لأنَّ الترجي للجهل بالعاقبة وهو محال على الله، وكذلك الخوف والإشفاق، فمنهم من صرفها للمخاطبين قال سيبويه في قوله تعالى:(لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) {طه: 44} معناه: كونا على رجائكما في ذكرهما، يعني: أنَّه كلام منظور إلى جانب موسى وهرون عليهما السلام؛ لأنَّهما لم يكونا جازمين بعدم إيمان فرعون، وأمَّا استعمالها في الخوف ففي قوله تعالى: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ) {الشورى: 17} فإنَّ الساعة مخوفة في حق المؤمنين، بدليل قوله تعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا) {الشورى: 18} 000 فإن قلتَ: ما معنى قولهم: لعل: من الله واجبة؟ هل ذلك من شأن المحبوب أو مطلقًا؟ وإذا كانت في المحبوب فهل ذلك إخراج لها عن وضع الترجي إلى وضع الخبر أم لا؟ قلتُ: ليس إخراجًا عن وضعها، وذلك أنَّهم رآوها من الكريم للمخاطبين في ذلك المحبوب تعريض بالوعد، وقد علم أنَّ الكريم لا يعرِّض بأن يفعل إلاَّ بعد التصميم عليه، فجرى الخطاب الإلهي مجرى خطاب عظماء الملوك من الخلق، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) {البقرة: 21} إطماع المؤمن بأن يبلغ بإيمانه درجة التقوى العالية؛ لأنَّه بالإيمان يفتتحها وبالإيمان يختتمها، ومن ثم قال مالك وأبو حنيفة: الشرع ملزم، وقد قال الزمخشري: وقد جاءت على سبيل الإطماع في مواضع من القرآن، لكنه كريم رحيم إذا أطمع فعل ما يُطمع لا محالة، فجرى إطماعه مجرى وعده؛ فلهذا قيل: إنَّها من الله واجبة، وهذا فيه رائحة الاعتزال في الإيجاب العقلي، وإنَّما يحسن الإطماع دون التحقيق؛ كيلا يتكل العباد )) [2]

(1) عمدة الحفاظ 3/ 75.

(2) البرهان ص 892 - 893.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت