ما ذكرته هناك وأضيف إليها التوسع في دراسة ما أوجزت الكلام فيه في تلك الدراسة، ومن الله الهدى والتوفيق والسداد.
ذكر النحاة أنَّ لـ (مِن) في اللغة والقرآن الكريم بضعة عشر معنى، فذكروا أنَّها تجيء للابتدء، ولبيان الجنس، والتبعيض، وللمزاولة بمعنى (عن) وبمعنى الباء، وبمعنى (على) وبمعنى (في) وللتعليل، وبمعنى البدل، وللفصل، وبمعنى (عند) وزائدة [1] وفيما يأتي دراسة لشواهد هذه المعاني الواردة في كتاب الله عز وجل.
1 -أن تكون لابتداء الغاية في المكان فهي بمنزلة (مذ) كقوله تعالى: (مِن وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ) {الجاثية: 10} وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ) {الأحزاب: 53} وقوله تعالى: (وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ) {البروج: 20} ولا تدخل على الزمان إلاَّ على تقدير المصدر كما قال المالقي كقوله تعالى: (لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ) {التوبة: 109} وقال المرادي: (( وصححه ابن مالك لكثرة شواهده، وتأويل البصريين ما ورد من ذلك تعسف ) ) [2]
قال الرضي وهو يشرح كافية ابن الحاجب: (( قوله: فـ(مِن) للابتداء، كثيرًا ما يجري في كلامهم أنَّ (مِن) لابتداء الغاية 000 فـ (مِن) للابتداء )) [3]
يريد أن يقول بأنَّ الصحيح أن تكون (مِن) في الشواهد المذكورة للابتداء، لا لابتداء الغاية
2 -أن تكون لابتداء الغاية وانتهائها كقوله تعالى: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) {الإسراء: 1} ويمكن دمج هذا الوجه مع الوجه الأول بجعلهما معًا للابتداء
(1) ينظر: تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص ص 301 - 302 والصاحبي في فقه اللغة لابن فارس ص 126 - 127 والأزهية ص 292 - 294 ورصف المباني ص 388 - 391 والجنى الداني ص 308 - 320 ومغني اللبيب 1/ 318 - 327 والبرهان ص 901 - 907 وبصائر ذوي التمييز 4/ 531 - 535 والإتقان ص 272 - 273 وهمع الهوامع 2/ 460 - 468 والزيادة والإحسان 8/ 163 - 165
(2) الجنى الداني ص 308
(3) شرح كافية ابن الحاجب 4/ 266.