3 -أن تكون لبيان الجنس: وهي كثيرًا ما تجيء بهذا المعنى عندهم بعد (ما) و (مهما) كقوله تعالى: (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) {البقرة: 6} وقوله تعالى: (وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِن آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ) {الأعراف: 132} وتجيء في غيرهما كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) {الحج: 30} وقوله تعالى: (وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاء مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ) {النور: 43} وقد اجتمعت في هذه الآية كما قالوا ثلاثة معان، فـ (مِن) الأولى لابتداء الغاية، أي: ابتداء الإنزال من السماء، والثانية للتبعيض، أي: بعض جبال منها، والثالثة لبيان الجنس؛ لأنَّ الجبال تكون برَدًا وغير بَرَد.
قال الزركشي: (( بيان الجنس، ولها علامتان: أن يصح وضع(الذي) موضعها، وأن يصح وقوعها صفة لما قبلها، وقيل: هي أن تذكر شيئًا تحته أجناس، والمراد أحدها، فإذا أردت واحدًا منها بينته كقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) وغيرها، فلما اقتصر عليه لم يعلم المراد، فلما صرح بذكر الأوثان علم أنَّها المراد من الجنس )) [1]
إلاَّ النحاة قالوا بـ (مِن) التي لبيان الجنس استنادًا إلى التعريف الأول قال ابن يعيش: (( وكونها لتبيين الجنس، كقولك: ثوب من صوف، وخاتم من حديد، وربما أوهم هذا الضرب التبعيض؛ ولهذا قلنا: إنَّ مرجعها إلى شيء واحد، ومنه قوله تعالى:(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) وذلك أنّ سائر الأرجاس يجب أن تُجتنب، وبيَّن المقصود بالاجتناب من أيِّ الأرجاس واعتباره أن يكون صفة لما قبله، وأن يقع موقعه (الذي) ألا ترى أنَّ معناه: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن وقد حمل بعضهم الآية على القلب )) [2] ونحو هذا قال الرضي [3]
وقال ابن عصفور: (( والذي زعم أنَّ(مِن) لتبيين الجنس استدل على ذلك بقوله تعالى: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ) ألا ترى أنَّ الأوثان كلها رجس، وإنَّما أتيت بـ (مِن) ـليبين ما بعدها الجنس الذي قبلها، فكأنَّك قلتَ: اجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، أي: اجتنبوا الرجس الوثني، واستدل أيضًا بقوله تعالى: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ) النور:
(1) البرهان ص 902.
(2) شرح المفصل 4/ 460.
(3) ينظر: شرح كافية ابن الحاجب 4/ 269.