الصفحة 269 من 298

ببعض، والتي لبيان الجنس تُقَدَّر بتخصيص الشيء دون غيره فاعلمه )) [1] والصحيح والظاهر أنَّها للتبعيض، وقد بيَّنَّا أن كل (مِن) قيل إنَّها لبيان الجنس فإنَّما هي للابتداء أو للتبعيض.

5 -أن تكون للمزاولة بمعنى (عن) : قالوا بمجيء (مِن) بمعنى (عن) في قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) {الزمر: 22} والصحيح أنَّها في (( هذه الآية للابتداء لتفيد أنَّ ما بعد ذلك من العذاب أشد، وكأنَّ هذا القائل يعلق معناها بـ(ويل) مثل قوله تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ) {ص: 27} )) [2] وقالوا أيضًا بمجيئها بمعنى (عن) في قوله تعالى: (الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ) {قريش: 4} والصحيح أيضًا أنَّها للابتداء، قال ابن يعيش: (( وتقول: أطعمه من جوع، وعن جوع، فإذا جئت بـ(مِن) كانت لابتداء الغاية؛ لأنَّ الجوع ابتداء الإطعام، وإذا جئت بـ (عن) فالمعنى أنَّ الإطعام صرف الجوع؛ لأنَّ (عن) لما عدا الشيء )) [3] وقال الدكتور فاضل السامرائي (( فمعنى: أطعمه من جوع، أنَّه كان جائعًا فأطعمه، وليس معناه أنَّما أبعد الجوع عنه، فقد يكون أطعمه ولم يشبعه، أي: لم يبعد الجوع عنه، وسقاه ولم يروه، أي: لم يبعد الظمأ عنه، ولكنَّ المعنى: أنَّه كان ظامئًا فسقاه، أي: ابتداء السقي كان من حالة الظمأ، أي: أول ما نزل الماء نزل على ظمأ، فالظمأ كان ابتداء للسقي، وليس معناه: أبعد الظمأ عنه ) ) [4]

6 -أن تكون بمعنى الباء: قالوا بمجيئها بمعنى الباء في قوله تعالى: (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) {الرعد: 11} والشاهد (يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللّهِ) والتقدير: يحفظونه بأمر الله [5] والحقيقة أنَّ (مِن) في هذا الموضع باقية على معناها، وقد تناولت دراسة هذا الشاهد في كتابي: لا وجوه ولا نظائر برقم 73 وبسطت القول فيه

(1) رصف المباني ص 389.

(2) مغني اللبيب 1/ 321.

(3) شرح المفصل 4/ 502

(4) معاني النحو 3/ 47.

(5) ينظر: المقتضب للمبرد تحقيق هرون 2/ 319 - 320، وتحقيق بديع 1/ 585 - 587، والأزهية في علم الحروف للهروي ص 293، والكليات للكفوي ص 702، والبرهان في علوم القرآن للزركشي ص 904.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت