للابتداء أيضًا، والمعنى في قوله تعالى: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوا أَجْرٌ عَظِيمٌ {آل عمران: 172} أنَّ الذين أحسنوا واتقوا يكون لهم أجر عظيم على أن يكونوا قبل ذلك من الذين استجابوا لله والرسول، فقد أعاد الكلام عليهم بقوله:(أَحْسَنُوا مِنْهُمْ) ليكون الأجر العظيم يبتدئ بهم قبل أن يمر على غيرهم، وأنَّ الناس في زمانهم إذا أحسنوا واتقوا يكون لهم ذلك الثواب، إذا كانوا مثل أولئك مستعدين أن يستجيبوا لو انتدبوا كما انتدبوا، أو كانوا مقتدين بهم استجابوا لنحو ما استجابوا له، على مر العصور والأجيال في كل أرض وزمان وجعل هذا الأمر جاريًا عليهم حتى قيام الساعة، وفي هذا ثناء عظيم للذين استجابوا أول مرة حين ندبهم رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنَّهم جعلهم الطليعة في هذه القضية والقدوة في الاستجابة ونيل الأجر العظيم.
وكذلك قوله تعالى: (مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الأنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) {الفتح: 29} فـ (مِن) ليست لبيان الجنس، كما قالوا بل هي للابتداء وتفسيرها على نحو ما تقدم، والمعنى هنا: أنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر عظيم على أن يكونوا قبل ذلك كما وصفوا في بداية هذه الآية (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) فقد أعاد الكلام عليهم بقوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم) أو كانوا على شاكلتهم حتى قيام الساعة، وعلى هذا النحو تفسَّر باقي الشواهد
4 -أن تكون للتبعيض كقوله تعالى: (مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللّهُ) {البقرة: 153} وقوله تعالى: (لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ) {آل عمران: 92} وقال المالقي: (( وتحتمل(مِن) في قوله تعالى: (وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلاَلًا طَيِّبًا) {المائدة: 88} أن يكون المعنى: بعض ما رزقكم الله، وكثيرًا ما تقرب التي للتبعيض من التي لبيان الجنس، حتى لا يُفرَّق بينهما إلاَّ بمعنى خفي، وهو أنَّ التي للتبعيض تُقدَّر