الصفحة 279 من 298

لا ضعيف ولا قوي، ولا واحد ولا أكثر، فإذا أدخلت (مِن) زال الاحتمال وكان المعنى: ما جاءني من جنس الرجال أحد، فهي هنا لاستغراق الجنس )) [1]

وقال المالقي: (( وتقول في التي لاستغراقه في الفاعل: ما جاء من أحد، المعنى: ما جاء أحد، وفي المفعول: ما رأيت من أحد، أي: ما رأيتُ أحدًا، وفي المبتدأ: ما في الدار من أحد، أي: ما في الدار أحد، والفرق بين نفي الجنس واستغراق نفيه، أنَّ التي لنفي الجنس يحتمل ما بعدها أن ينفي مفرده اللفظي أو جنسه المعنوي، فيحتمل أن نريد جنس الرجال، ويحتمل أن نريد الرجل الواحد، والتي لاستغراقه لا تنفي إلا الجنس بكليته، ولا تبقي منه شيئًا، فإذا قلتَ: ما جاءني من أحد، كانت(مِن) هنا لتأكيد استغراق الجنس؛ لأنَّ (أحد) يقتضي الاستغراق وإن لم تدخل عليه (مِن ) )) [2]

وقال المرادي: (( لأنَّ: ما في الدار رجل، محتمل لنفي الجنس على سبيل العموم، ولنفي واحد من هذا الجنس دون ما فوق الواحد؛ ولذلك يجوز أن يقال: ما قام رجل بل قام رجلان، فلما زيدت(مِن) صار نصًّا في العموم، ولم يبق فيه احتمال، وقيل: ما جاءني من رجل، زائدة على حد زيادتها في: ما جاءني من أحد، فإنَّما أدخلت (مِن) على النكرة عند إرادة الاستغراق، فصار (رجل) لمَّا أردت به الاستغراق مثل (أحد ) )) [3] وجاز أن يقوم مقام (النافية) النهي والاستفهام في استغراق نفي الجنس كقوله تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) {فاطر: 3}

مما يجب التنبيه عليه في هذا المقام أنَّ كثيرًا ما تُقرَن زيادة الحرف بالتوكيد، والحرف الذي يُؤتى به لهذا الغرض هو الذي لا يضيف إلى الجملة إلاَّ توكيد معناها وتقويته، مثل (إنَّ) واللام المفتوحة ونون التوكيد الثقيلة أو الخفيفة، أمَّا إذا أفاد الحرف معنى أضيف إلى معنى الجملة أو حل محله فلا يكون توكيدًا، وهذا ما حصل في (مِن) التي شاع عند النحاة مجيئها زائدة للتوكيد فكيف يصح أن نعد (مِن) زائدة للتوكيد في الأمثلة والحالات التي ذكروها وقد صرحوا بأنَّها أفادت معنى استغراق الجنس؟! وكيف يصح أن نجعلها زائدة مؤكدة وقد أكَّد أساطين النحو أنَّ ثمة فرقًا بيِّنًا بين ذكرها وعدم ذكرها؟! فهي إذن

(1) شرح جمل الزجاجي 1/ 260

(2) رصف المباني ص 389 - 390.

(3) الجنى الداني ص 317.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت